العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

المراجعات الفكرية وأسباب التوقف الحضاري (2)

بقلم: ا.د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٠ - 11:43

 

نواصل مناقشتنا حول الموضوع الشائك الذي نحن بصدده، فقد تكلمنا في المقالة السابقة عن المراجعات الفكرية القديمة وظهور تيارات فكرية مختلفة، برز منها تياران، تحدثنا عن التيار الأول وفكره الذي يستمد جله من الفكر القديم، مع وجود قليل من التجديد، وكذلك استحضار آراء صلحت في زمانها ولا يمكن استحضارها الآن، لغرابتها ولعدم ملائمتها للعصر الذي نعيش فيه، وقلنا بأن التيار الثاني قد انطلق بفكره من هذه النقطة بالذات، وبدأ يفتش عن كل غريب وشاذ من الفكر القديم، وساعدهم على ذلك كما ذكرت التيار الأول والذي يمثله كما ذكرنا الشيوخ أو رجال الدين، والتيار الثاني لا يقتصر في فكر واحد أو رأي واحد، بل افكار وآراء مختلفة، فمنهم من ينكر القديم كله ولا يعترف به ومنهم من ينكر الكثير منه ويقر بالقليل منه ومنهم من يعترف بالكثير من القديم وينكر القليل منه، ولكل منهم رأيه ودلائله التي يستند اليها، وعندما تسمع لآراء هذا التيار ترى غالبيتهم يتهجم ويسخر من القدماء، وهذا ما يجب أن يتركوه إذا كانوا يريدون الإصلاح بجد، فسوف يكون معظم الجهد في البحث عن الأخطاء في الفكر القديم وتسليط الضوء عليها، وهذا ما يؤخذ عليهم، لأن الأمر يصل إلى حد التهكم والسخرية من الأقدمين وهذا مرفوض تماما كما ذكرنا سالفا، إذا اردت أن تنقد فافعل ولكن بموضوعية، ولكن يمكننا أن نسأل سؤالا حول فكر هذا التيار، ولماذا ظهر هذا التيار المعاكس والمهاجم للفكر القديم؟ ذكرنا جانبا من الإجابة عن هذا السؤال وهو أن التيار الأول من الشيوخ أو رجال الدين كان لهم دور في ظهور هذا التيار، ولكن نجد ايضا ان هذا التيار الذي يمكن أن نسميه علمانيا أو ليبراليا أو سمه ما شئت، قد سافر إلى أوروبا وأمريكا للدراسة فوجد الحضارة تتحدث عن نفسها وتتحرك على الأرض بخطى ثابتة بعيدا عن الدين، فقد تنحى الدين جانبا منذ ظهور رواد التغيير في أوروبا مع بداية النهضة الحديثة لأوروبا، وأصبح الدين مجرد صورة يقوم عليها رجال الدين في كنائسهم ومعابدهم بعد أن كان رجال الدين هم المسيطرون على الحياة في أوروبا قرونا عديدة، حتى سميت الفترة التي سيطروا فيها بفترة العصور المظلمة، أي المظلمة فكريا وحضاريا، في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية تتحرك بخطى ثابتة في شتى البقاع التي دخلت الإسلام أو دخل الإسلام اليها، وتلك نقطة أخرى ينطلق منها هذا التيار الا وهي انتشار الإسلام، فبعض هذا التيار يعتقدون بأن الإسلام قد انتشر عنوة وبالسيف، ولهم دلائلهم ايضا حول هذا الأمر، وكذلك من يرد عليهم من التيار الأول له دلائله التي تقول إن الإسلام لم ينتشر بالسيف، وبأنه «لا إكراه في الدين»، كما أقر بذلك الله سبحانه وتعالى صاحب الدين نفسه، وهذا أمر ستكون لنا معه وقفة ايضا، نعود إلى حديثنا، كما ذكرنا سالفا في فترة العصور المظلمة في أوروبا كانت الحضارة الإسلامية في الشرق وفي الغرب في أوج عظمتها، وليس هذا تحيزا ولكن هذا ما يؤكده التاريخ ويشهد عليه علماء أوروبا أنفسهم، ولا أحد ينكر الإسهامات الحضارية للعلماء المسلمين والتي بنت عليها أوروبا وانطلقت من حيث ما انتهى العلماء المسلمين، وسوف يكون لنا وقفة ايضا حول هذا الموضوع لنوضح كيف وصلت حضارة الأندلس في أوروبا إلى مرحلة متقدمة جدا في العلوم وفي الأدب وفي الفنون، وبالتالي فإن التيار الثاني رأى تقدم أوروبا من دون الدين، فكان الاعتقاد أن الدين هو سبب التوقف الحضاري للأمة، وقد أيد هذا الرأي غالبية هذا التيار، وهذه مشكلة كبرى ايضا، لأنها أدت إلى ظهور معتقد أن الدين هو من يؤخر الشعوب، وبعضهم يقول اتركوا العنان للعقل والإنسان اجعلوه بلا قيود يفعل ما يشاء، وتلك مشكلة أخرى أكبر وأكبر، فهذا المعتقد ظهر من يرد عليه ايضا، وهو أن الدين ليس سببا في توقف الحضارة أو تخلف الشعوب، وقد بنى أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم على ما يحدث في أوروبا وأمريكا وغيرها من البلاد المتقدمة، وهو أن العنان قد أطلق للمادية البحتة فأفرغت الإنسان من الجانب الروحي، فكانت نسب الانتحار عالية في هذه البلاد وقلت نسبة الأمان وغيرها من الأمور الاجتماعية الأخرى، الأمر الذي جعل علماء ورجال دولة في تلك البلاد يقومون بالدعوة إلى الرجوع إلى الدين حتى تنضبط الحياة المادية، أي أن أصحاب الرأي الأول وجدوا ضالتهم ايضا في الرد على فكرة أن الدين هو سبب التوقف والتخلف الحضاري، وللحديث بقية بمشيئة الله تعالى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news