العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٠ - 11:43

 

إن من أكثراللحظات إثارة لعقل الإنسان وتفكيره هي تلك التي يكتشف فيها المؤمن معجزة جديدة في كتاب الله تعالى، وكذلك عندما يعيش للمرة الأولى فهما جديدا لآية من آيات الله لم يدرك معناها من قبل، حينئذ يتذكر قول الحقّ عزَّ وجلَّ: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (العنكبوت 20). وقوله سبحانه: (لكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأنعام 67). وقوله تعالى:(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص88). وفي هذا المقال سوف نتحدث عن آية جديدة ومعجزة مبهرة وحقائق يقينية في خلق الإبل، أشار إليها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان في قوله تعالى: 

(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية 17-20). 

والإبل من بين معجزات الله سبحانه وتعالى الحية، وقد جعل النظر إلى كيفية خلقها أسبق من التأمل في كيفية رفع السموات، ونصب الجبال، وتسطيح الأرض، ويدعو إلى أن يكون النظر والتأمل في هذه المخلوقات مدخلاً إلى الإيمان الخالص بقدرة الخالق جل وعلا وبديع صنعه .ولم يتعرف البشر على تفاصيل معجزة إبداع الله سبحانه وتعالى في خلق الإبل إلا منذ سنوات قليلة.

وسوف نرى أن ما كشفه العلم حديثاً عن بعض الحقائق المذهلة في خلق الإبل، يدل على سبق القرآن الكريم في الإشارة إلى هذا المخلوق المعجز، ودعوة البشرإلى دراسته للتعرف على معجزات الله سبحانه وتعالى في خلقه. 

وينتمى الجمل إلى مجموعة الإبليات (Camelides)، والتي تضم فصيلتين هما فصيلة كاميلوس (Camelus)، وفصيلة لاما (Lama)، وتتشكل فصيلة (Camelus) من نوعين، (دروميديرس Dromedarius) وهو الجمل ذو السنام الواحد المنتشر في البلاد العربية والإفريقية، و(باكتريانس (Bactrians وهو الجمل ذو السنامين، ويتواجد في المناطق الباردة لآسيا الوسطى وصولا إلى منشوريا والصين.

وتتمتع الإبل بسلسلة من التعديلات الفسيولوجية التي تتيح لها تحمل فترات زمنية طويلة في الصحراء الحارة، من دون أي مصدر خارجي للمياه. فنادراً ما يشرب الجمل إلا مرة واحدة كل 10 أيام حتى في ظل ظروف شديدة الحرارة، ويمكن أن يفقد ما يصل إلى 30% من كتلة جسمه بسبب الجفاف من دون أن تتأثر العمليات الطبيعية داخل جسمه، على عكس الثدييات الأخرى، كما تكون كريات الدم الحمراء الخاصة بالجمال بيضاوية الشكل وليست دائرية الشكل، وهذا يسهل تدفق خلايا الدم الحمراء أثناء الجفاف ويجعلها أفضل في تحمل التباين الاسموزي العالي من دون تمزق عند شرب كميات كبيرة من الماء، حيث يستطيع جمل وزنه 600 كيلوجرام شرب 200 لتر من الماء في ثلاث دقائق.

وتفقد الجمال حوالي 1.3 لتر فقط من كمية السوائل يوميًا بالتعرق، بينما تفقد بقية الحيوانات الأخرى ما بين 20 و40 لترًا يوميًا، كما أن الحفاظ على درجة حرارة المخ في حدود معينة أمر بالغ الأهمية بالنسبة للحيوانات، وللمساعدة في ذلك، تتميز الإبل بوجود مجمع من الشرايين والأوردة تقع بالقرب من المخ، ويستخدم تدفق الدم المعاكس لتبريد الدم المتدفق إلى المخ. ونادراً ما تتعرق الجمال حتى عندما تصل درجات الحرارة المحيطة إلى 49 درجة مئوية. ويستطيع الجمل تخفيض درجة حرارة جسمه إذا ارتفعت درجات الحرارة إلى درجة قصوى قد لا تتحملها الحيوانات الأخرى.

وعندما يستنشق الجمل الهواء، يصبح بخار الماء محاصراً في أنفه ويتم إعادة امتصاصه في الجسم كوسيلة لحفظ المياه. وتأكل الجمال بعض الأعلاف الخضراء الرطبة للحفاظ على الحالة المائية لأجسامها من دون الحاجة إلى الشرب. 

كما أن المعطف السميك الذي يغطى جسده يعزله عن الحرارة الشديدة التي تشعها الرمال الصحراوية، ومن العجيب أنه في خلال فصل الصيف يصبح المعطف أفتح في اللون، مما يعكس الضوء، ويساعد على تجنب حروق الشمس. وتساعد أرجل الجمل الطويلة في الحفاظ على جسمه بعيدًا عن الأرض وعن الرمال الحارة صيفا، والتي يمكن أن تصل درجة حرارتها في الصحراء إلى 70 درجة مئوية، وعندما يستلقي الحيوان في وضع الجالس، يرتفع الجسم عن سطح الأرض الساخن، ليسمح بمرور هواء التبريد تحت الجسم. وتساعد مشية الجمل الوئيدة على التحرك دون أن تغرق في الرمال. وتتميز أقدامه بوجود خف من نسيج دهني قوي، يوفر للجمل السير بخفة ورشاقة، وبكفاءة متساوية على الأرض الوعرة والزلقة، وكذلك على الرمال الناعمة.

وتتمتع أفواه الإبل ببطانة جلدية سميكة، مما يسمح لها بمضغ النباتات الصحراوية الشوكية. وتشكل الرموش الطويلة وشعر الأذن، جنبًا إلى جنب مع الخياشيم التي يمكن إغلاقها، عائقًا أمام دخول الرمال إلى العيون والأنف. واذا دخلت الرمال في عين الجمل، يمكنه إزالتها باستخدام جفنه الثالث الشفاف. أما كلى وأمعاء الجمل فهما فعالتان جدا في إعادة امتصاص الماء، وقد اتضح للعلماء أن الجزء النخاعي من كلية الإبل يساوي ضعف مساحة كلية البقرة، كما أن للجسم الكلوي قطرا أصغر، مما يقلل من مساحة السطح للترشيح. وهاتان الخاصيتان التشريحيتان تمكنان الجمل من الحفاظ على المياه، والحد من حجم البول في الظروف الصحراوية القاسية. كما أن براز الإبل جاف جدًا ولا يحمل قدرا من الماء، بحيث لا يحتاج إلى التجفيف عندما يستخدمه البدو في تأجيج الحرائق. 

ويعد الجمل من الحيوانات المجترة على الرغم من وجود اختلافات كبيرة بينه وبين الحيوانات المجترة الأخرى، فهو يتميز بوجود ثلاث معدات، المعدة الأولى (Rumen) هي المعدة الرئيسة، وهي عبارة عن انثناءات تضم الملايين من الخلايا الغددية التي تلعب دورا مهما في تفعيل عمل اللعاب، وإنتاج قسط وافر من السوائل، وتساعدها في عملها المعدة الثانية وهي أصغر من الأولى، أما المعدة الثالثة (Omasum) فهي أصغرهم، ويعمل هذا النظام المعدي على تنظيم عملية اجترار الطعام. ويعتبر سنام الجمل مخزنا للطاقة، ووجوده على الظهر يضمن للجمل التأقلم مع الحرارة، حيث إن تجمع الدهون في السنام يحدّ من توزيعها وانتشارها في طبقات سميكة تحت الجلد، مما يساعد على التخلص من الحرارة عن طريق الجلد. ويؤدي نقصان كمية الماء في أجسام الكثير من الحيوانات إلى لزوجة الدم، مما يؤدى إلى ارتفاع حرارة أجسامها، وأحيانا إلى الهلاك، أما الجمل فإن لزوجة دمه تبقى ثابتة ولو نقص الماء في جسمه. هذا قليل من كثير، فيما يخص هذا المخلوق العجيب الذي صممه الخالق سبحانه وتعالى تصميما مناسبا ومتسقا، وسخره لخدمة الإنسان، الذي يعيش في الصحراء أو في بعض البيئات القاسية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news