العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (117)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٠ - 11:42

ما بعد استقالة الإمام الأكبر شيخ الأزهر


 المرحلة المصرية (96):

عرفنا أن الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين قدم استقالته من منصبه كشيخ للأزهر وقد قُبلت هذه الاستقالة وعاد الرجل إلى منزله المتواضع مرفوع الرأس موفور الكرامة مهابًا موقرًا من الجميع.

عكف الرجل بعد ذلك على كتبه وبحوثه، وكتاباته في المجلات والصحف داخل مصر وخارجها ومجالسه العلمية مع أصدقائه وتلامذته ومحبيه.

وبقي يتابع مع ذلك أعماله العلمية في مجمع اللغة العربية وهيئة كبار العلماء وبقي على تلك الحال حتى أتاه اليقين. و هكذا لم تكن استقالة الشيخ ليستريح ولم يترك مشيخة الأزهر ليخلد إلى السكون والإنطواء على النفس، بل ظل واقفًا نفسه لخدمة الإسلام والدفاع عنه في كل ما يمكنه من مجال، لقد كان المعلم الصالح والناصح الأمين والمرشد البصير والمربي الخبير.

- حوار مع جريدة صوت الشرق:

نشرت جريدة «صوت الشرق» حوارًا أجراه أحد الكتاب مع الإمام خلال هذه الفترة ونحن نوافيك ببعض ما جاء فيه حيث يقول الكاتب:

من كان يظن أن هذا الحديث الذي دار بيني وبين الشيخ – رحمه الله – سيطالعه مطالعوه وهو في عالم الخلد والبقاء بعد أن رحل عن عالم الفناء «وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت» [لقمان: 34].

ثم يصف الكاتب كيف التقى بالإمام فيقول:

في شارع صغير خلف بناء وزارة التربية والتعليم بالقاهرة وفي جناح ضيق من بيت هادئ من بيوت هذا الشارع القصير سعيت إلى الشيخ لألقاه وأتحدث إليه وأستمع منه وكان هذا آخر عهدي به.

دخلت عليه وهو في حجرة مكتبه وحوله أضابير أوراق ومجموعة كتب والصمت يعقد رباطه على المكان فليس ثمة حركات ولا صوت، فالشيخ قد تزوج مرتين ولكنه لم يرزق بأولاد.

وشاهدت على وجهه دلائل المرض والشيخوخة المرهقة فأردت أن أخرج به عن عزلته ووعكته فسألته: إنك مع علمك وفقهك واشتغالك بالقضايا الإسلامية تقول الشعر فما هي الدوافع التي دفعتك إلى الشعر؟

فأجاب: حينما تقرأ ديواني «خواطر الحياة» يسهل عليك أن تتعرف على المحرضات التي حرضتني على النظم فقد نشأت في إقليم الجريد في تونس وكان للشعر في هذا الإقليم مكانة ومنزلة وكان الكثيرون من أقاربي يقولون الشعر وكنت ألمس ما يلاقونه من تكريم وحفاوة عن طريق قولهم الشعر، فتعلقت بأسبابهم من أول نشأتي وحاولت النظم وأنا في الثانية عشرة من عمري، ولما التحقت بجامع الزيتونة رأيت المنافسة على أشدها بين الطلاب والأساتذة في قرض الشعر.

ولكني أصارحك بأن حبي للعلم تغلب على ميلي إلى الشعر ولعل السبب في ذلك هو أنني لم أرض عن شعري الذي أقوله واتذكر أنني قلت عن الشعر أجوده ليس في متناول قريحتي وغير الأجود تتسامى عنه همتي ومع انصرافي إلى العلم والقضايا العامة، لم تنقطع صلتي بالشعر، بل ظللت أقوله بين الفينة والفينة في النواحي الإصلاحية والأخلاقية والاجتماعية والدينية.

وقد قلت في ذلك:

أقول فلا أرتاد غير خصيب... وأنظم لكن لا أطيل نسيبي

أجِدُّ وإن رام النديم دعابة... فلم تر غير الجد عين رقيبي

سألت الشيخ الأكبر لقد طال تنقلكم شرقًا وغربًا ولم يستقر بكم المطاف فترة طويلة، من حياتكم فهل كنتم تحسون أثناء ذلك باضطراب أو وحشة؟

وأجاب في هدوئه المألوف:

إن الذي يؤمن بعقيدة أو مبدأ لا يحس بغربة مهما انتقل وارتحل ما دام وفيًا لعقيدته، متمكنا من مبدئه. ولقد كان تطوافي في جهات عديدة من إفريقيا وآسيا وأوروبا ومرت بي فترات كنت أصبح فيها في مكان وأمسي في مكان غيره، ومرت بي لحظات فيها سجن وقسوة وعنف وإتهام، وتهديد وحرمان، ومطاردة ومع كل ذلك كان للمرء أنيس من ربه وإيمانه ولقد كنت سجينًا في الشام ومع ذلك كنت أرى في النوم أحلامًا أرضى بها وأستبشر وبعض الأحلام تحقق مفهومها أو ما يقرب منه.

وليس معنى هذا أنني كنت حريصًا على حياة التنقل والاضطراب من مكان إلى مكان، بل كنت أطمح إلى أن أستقر يومًا من الأيام، في دار لا يحتمل الإنسان فيها مذلة أو هوانًا، وقد وجدت طلبتي في مصر فجعلتها داري ومستقري منذ قرابة أربعين عامًا. ولقد قلت شعرًا صورت فيه ضجري من الأسفار وكثرتها واتصال ترحالي. 

(تقدم هذا الشعر عند الحديث عن الإمام الشاعر) انتقلت بالشيخ من ميدان هذه الذكريات إلى ميدان اللغة والمجمع اللغوي فقلت: إنك عضو في مجمع اللغة العربية منذ عهد بعيد فهل تستطيع أن تقول إن المجمع قد أدى رسالته؟

أجاب الشيخ: أقولها لك صريحة واضحة لا مواربة فيها ولا مجاملة: إن المجمع اللغوي لم يؤد رسالته وليس هو من الإهمال لهذه الرسالة والتفريط فيها بالصورة التي يصوره بها بعض الناس في نكتهم ودعابتهم. ولكنه في الوقت نفسه لم يقم بواجبه وقد يرجع السبب في ذلك إلى اختلاف الآراء المتضاربة وكثرة الاتجاهات المتعاندة وتحكم الشخصيات أحيانًا. مع تشتت الأذواق والمشارب، مع قلة المال المخصص له ولو أن ميزانية المجمع اتسعت لاتسع نشاطه وانتاجه.

والواقع الذي لا ريب فيه أن المجمع يحتاج إلى إصلاح شامل وتغيير جوهري في خطته وطريقته.

هذه مجلته – مثلاً – تنقطع وتتباعد مواعيد ظهورها، وهؤلاء أغلب الأعضاء يكادون يقتصرون على العناية بالمصطلحات العلمية وحدها مع وجود كثير غيرها من الأعمال والواجبات. هذا معجم القرآن الذي بشروا به الناس منذ سنوات لم ير النور ولعل الأحفاد يشهدون مولد هذا الصبح!!

وهنا سألت الشيخ: هل تذكرون بعض البحوث أو الأعمال اللغوية التي نهضتم بها في المجمع اللغوي؟

فأجاب: لقد اشتركت في أعمال كثيرة من نشاط المجمع وقدمت بحوثًا، أذكر منها بحثي عن القياس في اللغة العربية «تقدم الكلام عنه» ثم الرد على الرأي الذي ارتآه الدكتور طه حسين الذي ذهب إلى أن الضمير قد يستعمل كاسم إشارة فنقضت هذا الرأي.

ونكتفي بهذا القدر من ذلك الحوار الذي ختمه صاحبه بقوله:

وخرجت من حضرة الشيخ الأكبر ولا يزال يستولي على تفكيري هذا الهدوء الذي يحيط به وهذا الاعتكاف في محراب من محاريب البحث العلمي والتأمل العميق.

- الشيخ لا يريد أن يزكي نفسه ولذلك مزق مذكراته:

أشرنا في حلقة سابقة إلى كلمة الدكتور زكريا البري (وزير الأوقاف المصري سابقًا) حول استقالة الإمام الأكبر محمد الخضر حسين في حفل أقيم بمناسبة ذكرى الإمام بمسجد بطريق الأهرام بمدينة الجيزه (مصر) أما في هذه الحلقة فإننا نذكر كلمته حول مذكرات الإمام (بتصرف يسير).

يقول الرجل: ترددت على الشيخ في منزله وبدأ يملي عليَّ مذكراته وأنا اكتبها وأحيانًا كان يخط بيده مسودات هذه المذكرات ثم أتناول تبيضها في منزلي. وكنت أتوقف عند بعض الكلمات حيث كان يكتب بالخط المغربي ويضع نقطة الفاء تحتها وهكذا ولكني بشيء من الممارسة استطعت أن أعرف الألفاظ وأربط بعضها ببعض.

وقد اتصل بي الأخ الدكتور الشيخ عبدالمنعم البهي الذي كان يعمل بجريدة (المصري) الشهيرة عندما علم أنني أعاون الشيخ الأكبر المجاهد الإسلامي في كتابة مذكراته. ورغب أن ينشرها تباعًا في جريدة المصري فقلت له: هذا شيء لا أملكه ولا أملك استئذان الإمام فيه وعليك أن تأتي لتزوره في يوم كذا حيث أواصل الكلام معه وكتابة المذكرات.

وجاء المرحوم الدكتور عبدالمنعم لذلك وحدثه عن نشرها تباعا في جريدة المصري ليستفيد الناس ويروا تاريخ رجل فاضل ولد في تونس وهاجر إلى الشرق تحت ضغط الاحتلال الفرنسي الذي حكم عليه بالإعدام.

فقال الإمام بأدب: دعني أفكر (لأنه كان لا يريد نشر هذه المذكرات).. دعني أفكر واترك لي فرصة.

وخرجنا من عند الشيخ (أنا والدكتور عبدالمنعم) ثم ذهبت إليه في يوم معين وقلت له: إذن سنواصل كتابة المذكرات.. فقد وصلنا إلى كذا وكذا فلنبدأ من هنا.

قال: - وضحك – أو بعبارة أدق ابتسم لأن سمته كان سمت هدوء – قال: لقد مزقت هذه المذكرات!!!.

فقلت وفيما كان هذا وقد أسعدتني بكتابة هذه المذكرات وشاركت فيها قال: إن اقتراح زميلك الدكتور البهي جعلني أفكر في نشرها أو عدم نشرها واستخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثًا عن النفس وفيه تزكية لنفسي وأنا لا أريد أن أزكي نفسي وليستفيد من شاء بما شاء من كتاباتي. أما هذه المذكرات فقد عدلت عن مواصلتها، وانتهى الأمر إلى ما قلت لكم.

ثم يختم وزير الأوقاف (السابق) كلمته بقوله:

وتاريخ هذا الرجل في حاجة إلى أن يكتب أحد عنه وهذا ما سأحاوله إن شاء الله – في رسالة ماجستير أو دكتوراه لأن له تاريخًا غريبًا هو تاريخ الأئمة.. هو تاريخ المجاهدين.

هكذا كانت حياة الرجل في فترة ما بعد الاستقالة.. لقد كانت للعلم وفي سبيل العلم ولا شيء غيره، لأنه هو الزاهد الورع الذي كان يسكن في غرفتين بينهما فسحة ولم يتنقل منها إلا بعد توليه مشيخة الأزهر، ونظرًا إلى ضيق مسكنه كان يستقبل ضيوفه وزواره في دار جمعية الهداية الإسلامية.

فطوره قطعة من الخبز وكوب من الحليب ووجباته لا تتعدى لقيمات من لون واحد من الطعام.

أما راتبه الضئيل الذي لم يتجاوز ثلاثين جنيهًا فإنه يقتطع نصفه لمعيشته والنصف الآخر يرسله مجزءًا إلى أقاربه في دمشق وتونس مساعدة لهم.

ولم يكن رضي الله عنه يتقاضى أجرًا من جمعية الهداية الإسلامية مقابل رئاسته لها ورئاسته لتحرير مجلتها ولا عن محاضراته في الجمعية أو خارج الجمعية، لم يمتلك سيارة خاصة ولا عقارًا إلا مكتبته التي أهداها لدار الكتب المصرية. نقول ذلك وفي الحلق غصة – بل غصص – من بعض رؤساء الجمعيات الإسلامية وبعض الدعاة الذين لا يقوم أحدهم بعمل إلا إذا كان مدفوع الأجر مقدمًا!! - لا بارك الله لهم –.

وأذن الله للمجاهد أن يستريح فقد لبى نداء ربه وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد هذه الحياة المباركة المليئة بجلائل الأعمال وبالأمجاد العلمية والوطنية والدينية العريضة بعد ظهر يوم الأحد الثالث عشر من رجب سنة 1337هـ / 2 فبراير 1958م، وشيع في موكب مهيب إلى مثواه الأخير حيث خرجت مصر عن بكرة أبيها لتودع إمامها الأكبر الذي بذل الغالي والنفيس من أجل دينها وفي سبيل نصرته وإعلاء كلمته لا يخاف في الله لومة لائم وقد بلغ طول موكب المشيعين ما يتجاوز اثنين من الكيلومترات.

ودفن إلى جوار صديقه الأثير أحمد باشا تيمور بوصية منه بجانب مسجد الإمام الشافعي رضي الله عن الجميع.

وعادت النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية – إن شاء الله -.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news