العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

الفاروق وفتح بيت المقدس (1)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٠ - 11:41

 

لبيت المقدس في الإسلام منزلة عظيمة، ومكانة في قلب كل مسلم، ولِمَ لا؟ وهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث كانت قبلة الصلاة في أول الأمر جهة بيت المقدس، فصلى الرسول والمسلمون معه جهة بيت المقدس مدة ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ومكان بيت المقدس وما حوله مبارك، حيث جعل الله فيه بركات عظيمة، يقول تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير». الإسراء:1، وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المكانة، حيث أخبر أنه لا تُشد الرحال ولا يجوز الانتقال والسفر للصلاة في مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد هي: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى. أخرج البخاري عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَمَسْجِدِ الأَقْصَى. والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصلاة فيه بألف صلاة، والمسجد الأقصى ثاني بيت وضع في الأرض لعبادة الله تعالى بعد المسجد الحرام. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن إبراهيم التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فإن الْفَضْلَ فِيهِ. ولهذا حرص المسلمون على تحريره وفتحه، والصلاة فيه. ولما كانت الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما جاء في تاريخ الفتوحات الإسلامية، لما انتهى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من فتح دمشق، كتب إلى أهل إيلياء يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجِزْيَة، أو يؤذِنون بحربٍ، فأَبَوا أن يُجِيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده، واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس، وطلب من أهلها الصلح، ولكنهم رفضوا، وقال رهبانهم: لن يفتحها إلا رجلٌ، وذكروا بعض الأوصاف، وكان عمرو بن العاص الذي فتح غزة، قد أرسل إلى أرطبون، وكان أميرًا على أهل إيلياء كتابًا للصلح، وذلك قبل وصول أبي عبيدة، وكتب كتابًا لرسوله الذي كان يعلم اللغة الرومية، وقال له عمرو: اسمع ما يقولونه، فوصل الرسول، ودفع الكتاب إلى أرطبون وعنده وزراؤه، فقال أرطبون: لا يفتح والله عمرو شيئًا من فلسطين بعد أجنادين، فقالوا له: من أين علمت هذا؟ فقال: صاحبها رجلٌ صفته كذا وكذا، وذكر صفة عمر بن الخطاب، فرجع الرسول إلى عمرٍو فأخبره الخبر، فكتب إلى عمر بن الخطاب يقول: إني أعالج عدوًّا شديدًا وبلادًا قد ادُّخِرتْ لك، فرأيك، فعلم عمر أن عمرًا لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه، وكتب أبو عبيدة أيضًا كتابًا بذلك إلى عمر، فاستشار عمر الناس في ذلك، فأشار عثمان بن عفان بألاَّ يركب إليهم، ليكون أحقر لهم، وأرغم لأنوفهم. وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم؛ ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوي ما قال عليٌّ، وسار بالجيوش نحوهم، واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب، وسار العباس بن عبدالمطلب على مقدمته. وقد قال عمر، ردًّا على مَن رفضوا خروجه إلى المقدس، أُبَادِر بالجهاد قبل موت العباس، إنكم لو فقدتُم العباس لانتقض بكم الشرُّ كما ينتقض الحبل، وهذا يدل على مكانة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل على مدى توقير عمر رضي الله عنه، وسائر الصحابة الكرام جميعا رضوان الله عليهم أجمعين، لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم فتم فتح بيت المقدس بفضل الله تعالى وتوفيقه في حياة العباس رضي الله عنه، ومات العباس لست سنين من خلافة عثمان، فانتقض بالناس الشر. والمقصود الفتنة التي حدثت في عهد عثمان وكان قتله رضي الله عنه. وكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يُوافُوه بالجابية ليومٍ سمَّاه لهم في المجرَّدة، ويستخلفوا على أعمالهم، فلقوه حيث رُفِعت لهم الجابية، فكان أول مَن لقيه يزيد بن أبي سفيان، وأبو عبيدة، ثم خالد على الخيول، عليهم الديباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة ورماهم بها، وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزيِّ وإنما شبعتم مذ سنتينِ، وبالله لو فعلتُم هذا على رأس المائتين لاستبدلتُ بكم غيرَكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها بلامقة، وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذن. وركب حتى دخل الجابية، وعمرو وشرحبيل بأجنادين كأنهما لم يتحرَّكا من مكانهما، وقد نزل عمر عن بعيرِه، وخلع ما كان يلبس في قدمه، وأمسكهما بيده، وذلك لوجود بركة من الماء، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصكَّ في صدرِه، وقال: أَوَلَو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله، إنها كلمات لو وزنت بالذهب لوزنته، وإنما تدل على مدى تعظيم الصحابة لدين الله، واعتزازهم به، وضمَّ عمرًا وشرحبيل إليه بالجابية، فلقياه راكبًا فقبَّلا ركبتيه، وضمَّ عمر كل واحد منهما محتضنهما. ولما قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود: يا أمير المؤمنين، إنك لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news