العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

القرآن بعيون المفكرين (10)

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٠ - 11:40

 

من يديم النظر في آية من القرآن ثم يُعيد النظر فيها لا بد أنه سيخرج بمعاني جليلة، ومثلنا على ذلك (قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا...) 151 الأنعام، وقفتنا تحديدًا عند جزء من الآية «ألا تشركوا به شيئًا»، ولعله من نافلة القول التذكير أن هذا الأساس المتين الذي جاء به كل الرسل من نوح عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس مدار البحث، إنما السؤال الأول كمدخل للبحث هو: لماذا قال ألا تشركوا به شيئًا ولم يقل ألا تكفروا به؟ ما يقودنا للبحث عن الشرك والكفر في القرآن.

 فالشرك من الجذر شرك بمعنى جعل شيئًا ما ندًا لله ومكافئا له، وعليه جاءت الشراكة بين الناس في تجارة أو أرض أو أي عرض مادي «فهم شركاء في الثلث» أو غير مادي كطلب موسى من ربه أن يجعل هارون شريكا في الأمر لمواجهة فرعون» كقوله تعالى: (وأشركه في أمري) وهذه الأرضية اللغوية سُحبت على الشرك بالله عقائديًا، وليس على الكفر، حيث إن عرب الجاهلية أضفوا على أصنامهم صفة الثبات، وهذه صفة لله وحده ومن هنا جاء الخطاب الإلهي لهم بألا يشركوا بالله وليس يكفروا، فأحد مظاهر الشرك عبر التاريخ هي ظاهرة تثبيت الظواهر الطبيعة وهم بهذا جعلوها نِدًا لله في صفة الثبات التي لا تليق إلا به سبحانه وتعالى، ما يعني إلغاء قانون التطور المتمثل بالصيرورة الإجبارية، وهذا ما جعلهم يعتدون على اسم من أسماء الله الحسنى «الباقي» وخلطوا بين هذا الاسم وبين الدائم، فالديمومة يتخللها التقطع مع الاستمرار، فالذين هم على صلاتهم دائمون لا يعني بالقطع أنهم في صلاة على مدار اليوم دون انقطاع بل يصلون ويأكلون ويعملون وينامون، ولكنهم بالمجمل دائمون على صلاتهم مع انقطاع بين الفريضة والفريضة، بينما «الباقي» لا تنطبق عليه صفة التقطع وهذه خصيصة من خصائص الله حصرًا.

«إن الله لا يغفر أن يُشرك به...» هذا هو شرك الإلوهية الذي يتمظهر بعبادة الأصنام والأفراد والظواهر وعبادة الهوى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه...) وما يخفى على الناس وهو مقصود الآية (ألا تشركوا به شيئًا) هو الشرك الخفي الذي قد لا يعيه الإنسان ولا يعلمه وهو شرك الربوبية (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وتثبيت أي ظاهرة هو سر هذا الشرك (... وقال لن تبيد هذه أبدًا...) فجاءه الرد من صاحبه على مرحلتين: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) أي كفرت بقانون التطور ثم أردف يُبرئ نفسه من الشرك الخفي (لكنا هو الله ربي ولا أُشرك بربي أحدا) أي لا ثبات لجنات ولا أي شيء كما فعلت، إنما الثبات له وحده لا شريك له.

وعليه فالشرك هو لسان حال وليس لسان مقال ولا إعلان بالقول، والكفر يستلزم الإعلان عن ذلك بالقول (لقد كفر الذين قالوا المسيح ابن الله) هنا تصريح واضح بأن لله ولدا فوسمهم الله بالكفر وليس الشرك، لأن الكفر وهو الشرك بالإلوهية يتولد عنه الطاعة، بينما يتولد عن شرك الربوبية القناعة، لهذا كان الكفر لسان مقال والشرك لسان حال، ولم نسمع طيلة فترة الدعوة النبوية بأن أحدًا من المشركين قال عن نفسه بأنه مشرك.

 مما يجب الانتباه له والحذر منه غاية الحذر هو أن الله سبحانه وتعالى ربط الشرك بالثبات، وربط التوحد بالتطور، وهذا مما يخفى على كثير من الناس، فمن يؤمن بالله إلهًا واحدًا فردًا صمدًا فعليه بالضرورة بأن يؤمن بأن كل ما عداه متغير ومتطور وهالك، والله ضرب لنا الأمثال في القرآن، ووصفها بأن فقه تلك الأمثال مهمة العلماء (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) ومن هذه الأمثال التي ضربها الله لنا على الشرك- شرك الربوبية- مثل الرجلين في سورة الكهف، التي أشرنا إليها قبل قليل، والتي مرّ عليها الكثيرون دون أن يتوقفوا عند الربط بين الشرك بالله والثبات، ولعل هذه الفكرة الأساسية المقصودة بالآيات 32-38 من سورة الكهف.

 وهذا ما يؤكد قناعتنا بأن قراءة المفكرين ليست كغيرها من القراءات، قراءة مساءلة وتمحيص واستنتاج، وهذا ما ذكرناه مرارًا وتكرارًا بأن هذا القرآن خُلق ليُقرأ بعناية، وعدم الركون إلى قراءة سابقة من عالم أو مُفكر، لأن ذلك يدفعنا إلى السكون وإهمال الاجتهاد بدلالات القرآن، ما يوقعنا من حيث لا ندري بمشكلة الثبات التي قد تكون شركًا خفيًا، ناهيك من أن التوقف عند قراءة ما لشخص ما ينتقص من إعجاز القرآن، فالقرآن لا يستطيعه فرد ولا يتوقف عطاؤه عند جيل، وكل جهد يُبذل لصاحبه من الله الأجر ومنا الشكر والثناء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news