العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

دعائم التقدم العلمي في القرآن والسنة (2)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٠ - 11:24

جعل الله سبحانه وتعالى الإصلاح في الأرض وعدم الإفساد فيها والحفاظ على مواردها الحية ومكوناتها غير الحية من الواجبات الدينية التي يجب العمل بها، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) (الكهف 7)، وقال تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص 77)، وقال تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إصلاحهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف 85).

فقد خلق الله تعالى الأرض صالحة لحياة الإنسان والكائنات الحية وخلق فيها النبات والحيوان والكائنات الحية الدقيقة، وبارك في الأرض وقدر فيها أقواتها وما يصلح لمعايش أهلها، وجعل الإصلاح فيها من دعائم الإيمان والتقدم العلمي، وخلق الشمس والقمر والبحار والأنهار والتربة الزراعية والقوانين والمركبات المطلوبة لتعميرها وتقدم أهلها، وبذلك سبق الإسلام التنبيه على أهمية البيئة الأرضية وأهمية الإصلاح فيها وعدم الإفساد لاتزانها البيئي، وبذلك حافظ على أهم دعامة من دعامات التقدم العلمي والتقني وتحقيق السعادة للإنسان عليها.

واهتمت السنة النبوية بالحفاظ على موارد الأرض المائية والنباتية والحيوانية في العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة، فعندما نزل نبي تحت شجرة وقرصته نملة أحرق بيت النمل فعاتبه الله تعالى وقال له (فهلا نملة واحدة)؟!

وحافظ الإسلام على التنوع الحيوي في الأرض وذكر العديد من الحيوان وبين أهميته ومنافعه وذكر النحل والنمل والطير وما لا نبصر من الكائنات الحية، واهتم القرآن بالنبات والثمار والحبوب والبذور والبناء الضوئي وحافظ على موارد البيئة المائية من التلوث وكل هذا يؤكد اهتمام القرآن الكريم بالتنوع الحيوي البيئي وهذا ما فصلناه في دراستنا العلمية البيئية عن التنوع الحيوي في القرآن الكريم.

وهذا الاهتمام بالبيئة والتنوع الحيوي من أهم دعائم التقدم العلمي في الحياة. وقد أولى القرآن الكريم العلوم الكونية عناية خاصة فقال تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)» (فاطر 27 - 28).

وفي هذه الآية يلفت الله تعالى نظر الباحثين والعلماء إلى علوم السماء، والماء، والنبات والجبال، والناس، والدواب والأنعام، ورفع من شأن الباحثين في هذه المكونات الأرضية بعقلية علمية إيمانية صحيحة.

وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام 99).

وهذه الآية تتضمن منهاجا علميا كاملا لكلية الزراعة والعلوم من حيث علوم المياه والإنبات والبناء الضوئي وإنتاج الحبوب والنخيل والأعناب والزيتون مع الدراسة العلمية المنظمة والإيمان بقدرة الله في عناصر هذا المنهاج الزراعي المتميز.

كما دعا الإسلام إلى الأخذ بالتقنية الحديثة في التشييد والبناء، قال تعالى: (حَتَّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا، قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (الكهف 93-98).

إنها دعوة للأخذ بالعلم والتقنية العلمية في التشييد والبناء والإصلاح في الأرض وعدم الاغترار بالقوة العلمية، فهي قوة للإصلاح وأساس للتقدم العلمي ومنع الفساد في الأرض، ومن هنا كان التعمير فريضة إسلامية تتطلب العلم النافع، والعالم بالتقنية العلمية والعمل الجماعي في التشييد والبناء والتعمير.

وقد بين القرآن الكريم أن الذي عنده العلم الحقيقي يمتلك من القوة ما لا يقدر عليه غير العالم؛ قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أم أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فإن رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل 38 – 40).

إنه العلم النافع القادر صاحبه على الإتيان بالخوارق وتحقيق الأهداف النبيلة، وهذا الموقف العلمي يفتح المجال أمامنا للتقدم العلمي والتقنية العلمية غير المحدودة.

واهتمت السنة النبوية بالزراعة والتربة واهتم القرآن الكريم بأصحاب الدافعية للعلم وهذا ما بيناه بالتفصيل في كتابنا (مكانة العلوم الكونية في الحضارة الإسلامية) والحمد لله رب العالمين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news