العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

مقالات

لو دامت لغيرك...

بقلم: د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

الحكمة الشهيرة «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك» تمثل بحد ذاتها علما في الإدارة والاقتصاد والسياسة والأخلاق، ويفترض ان تكون نبراساً لنا جميعا. فهذه الحكمة لو ندركها ونفهمها حقاً لتعلمنا منها الكثير من فنون الإدارة والاقتصاد.

فهي تعلمنا أن الحياة تتغير باستمرار وأن أجمل ما فيها هو هذا التغيير. وأن تقدمنا وتطورنا كبشر مرتبط بحجم وسرعة التغيير، فكلما كان التغيير جذريا وشاملا كان التطور والازدهار أسرع وأشمل. ولولا هذا التغيير لظلت البشرية في تخلف وظلام قاتم. فالإنسان بطبيعته يسعى لتحقيق التغيير بشكل دائم، سواءً في عمله، أو منزله، أو حياته بشكل عام، فالتغيير جزء من حياة الإنسان.

تعلمنا هذه الحكمة أن لكل زمان دولة ورجالا، فمهما ارتقينا في العلم والمعرفة والوجاهة والمناصب والقوة فلن نعيش غير زماننا، فالمناصب مهما كانت مغرية فهي زائلة ولن تدوم، ومستوانا العلمي والمعرفي مهما كان متقدماً فالعلم يتطور والإنسان بهذا التطور يكون أكثر نضجاً وعلماً وفهماً وكفاءة. وستأتي أجيال قادمة لتأخذ دورها في الحياة بعلم أكثر وموارد أوفر وحضارة أفضل، سيأخذون منّا المناصب والكراسي والمال وكل ما في يدنا، وما كنا متمسكين ومتشبثين به.

فحياتنا تتغير باستمرار فلا ذكاؤنا ولا علمنا ولا مناصبنا الإدارية ولا ثرواتنا ولا قوتنا ولا صحتنا تستطيع أن تخلدنا فكل ذلك زائل، ولن يبقى منه سوى ذكرى في ذاكرة من يعرفك وإن كان حظك جيدا فسيبقى في كتب التاريخ.

حاكم ولاية كاليفورنيا السابق الشهير أرنولد شوارزينجر يعطينا درساً في غاية الأهمية، حيث قام بنشر صورة له وهو نائم في الشارع تحت تمثاله الشهير المصنوع من البرونز، وكتب أسفل الصورة «تأمل كيف تتغير الظروف، ليعلم الجميع أنه لا أمان للزمن». شوارزينجر عندما كان حاكم ولاية كاليفورنيا وبيده السلطة وصاحب القرار الأول والصحافة والناس تتبعه أينما ذهب، إحدى الشركات الفندقية أنشأت فندقا خمسة نجوم وعملوا تمثالا كبيرا لشوارزينحر أمام الفندق حباً وتقربًا إلى هذا الحاكم الشهير، فقام بافتتاحه في حفل كبير. وحينها وعده المسؤولون عن الفندق بأن له غرفة محجوزة باسمه مدى الحياة وبإمكانه المجيء في أي وقت يشاء. 

بعد سنوات تقاعد من المنصب وفقد السلطة وفخامتها وتذكر الحفل البهيج الذي أعد لسعادته، فقرر أن يذهب إلى الفندق ويطلب غرفة ليقيم فيها يوماً أو يومين ليعيد فيها ذاكرته ومجده العظيم، المفاجأة التي لم يتوقعها هي أن الإدارة لم تولِه أي اهتمام ورفضت إعطاءه الغرفة بحجة أن ليس لديه حجز مسبق وأن الفندق محجوز بالكامل. فقام بإحضار غطاء ونام بجانب تمثاله، وطلب من الناس أن يصوروه؛ ليبعث رسالة مهمة وهي أنه عندما كان في السلطة، كان الجميع يحترمونه وينافقونه ويتقربون إليه، وبعد أن ترك المنصب وفقد السلطة ابتعدوا عنه ونسوه ولم يفوا بوعودهم معه. هكذا هي الدنيا ومناصبها فانية ولم تدم لأحد من البشر، فلماذا البعض مازال يتصور عكس ذلك؟!

قبل فترة جمعتني الصدفة مع مسؤول سابق في إحدى مؤسسات الدولة، كان هو الرجل الثاني في المؤسسة وكان عملياً هو الرئيس الفعلي، فكانت هيبته الإدارية مرعبة أينما ذهب في المؤسسة، بيده التوظيف والترقيات والتعيينات. سألته إن كان نادمًا على قرار التقاعد الذي فرض عليه فوجدته متعلقاً ومتشبثاً بالمنصب والوجاهة، حيث يعتقد أنه مازال الرئيس الفعلي للمؤسسة وأن المسؤولين لا يمكنهم إدارة المؤسسة من دون تعليماته واستشاراته. الخطأ الذي يقع فيه البعض هو الاعتقاد بأن المؤسسة التي كانوا يديرونها هي مزرعتهم الخاصة ومناصبهم الإدارية دائمة لا تزول. وتناسوا أنه لو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم.

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news