العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الثقافي

(حلم صغير) قصة من البحرين إلى العالم

بقلم: حسين خليل.

السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

كان جميلاً أن أحصل على نسخة من قصة الكاتب البحريني إبراهيم سند الأخيرة (حلم صغير)، خصوصًا أنها غير متوافرة بعد في مكتبات مملكة البحرين، وإن كانت متوافرة في دولة الإمارات العربية المتحدة. مَثّل لي ذلك سبقًا رائعًا. أضف إلى ذلك وصول القصة إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وهي جائزة مرموقة ومهمّة على مستوى صناعة الكتاب في العالم العربي، وهو ما زاد اشتياقي لقراءة القصة.

الكاتب إبراهيم سند له أياد بيضاء لدى الكثير من كُتّاب قصص الأطفال الشباب، والذين يبدؤون خطواتهم الأولى في هذا المجال. وكم من الكاتبات والكتاب البحرينيين الذين يدينون بالفضل لكتب الكاتب في تشكيل ذائقتهم الأدبية، وكذلك للورش التي يقدّمها، بل والاستشارات الشخصية التي لا يحدّها مكان أو زمان، وهي استشارات تتميز بالدقة والصراحة في آن واحد.

فليسمح لي الكاتب في هذا المقال أن أقدّم قراءتي لقصة (حلم صغير)، وهي مراجعة من قبل قارئ ليست لديه معرفة كافية في مجال النقد.

أول ما يلفت الانتباه في هذا الإصدار هو صورة الغلاف، وهي صورة لوجه فتى، مرسوم بأشكال هندسية محددة جدًا، فهي دوائر ومثلث، وخط متموج وأقواس، وهو ما يعطي انطباعًا بأن موضوع القصة (ميكانيكي) بشكل أو بآخر. أضف إلى ذلك عنوان القصة (حلم صغير)، المرسوم بطريقة قريبة من تكوين الدراجة الهوائية بما تحويه من دولاب وجنزير وبراغي. وهنا أبدع الفنان ياسر الحمد في إدخالنا في جو القصة من البداية.

تبدأ القصة بعبارة تبعث على الإيجابية «كم هو جميل أن يكون للمرء حلم» ويبدأ الكاتب من الصفحة الأولى في عرض (العقدة) وهي الأمنية الملحّة للولد بأن تكون لديه دراجة هوائية والسؤال الذي يشغل باله وهو: من أين سيأتي بالمال اللازم؟ دخول الكاتب إلى المشكلة من البداية فيه احترام لعقل القارئ، وتشويق له. وإننا نجد روايات كبيرة تتكون من مئات الصفحات، يبدأ فيها الكاتب من الصفحة الأولى، وأحيانًا من الفقرة الأولى بعرض (العقدة) أو المشكلة.

هذا الولد ووسط حيرته، يستشير أصدقاءه، وهم أصابع يديه الخمسة، وهنا ابتكر الكاتب أسلوبًا جميلاً لعرض وجهات النظر المختلفة، وكيف نتعامل مع الاختلاف والمختلفين معنا.

(الخنصر) هو المتفائل، و(البنصر) المعروف بالطيبة والصراحة المتناهية، و(الوسطى) المتشائم، و(السبابة) المبدع الذي يأتي بالأفكار التي لا تخطر على البال، و(الإبهام) القائد والزعيم الذي يرتب جميع الأفكار.

ومع أنهم مختلفون إلا أنه استفاد منهم جميعًا، وكوّن فكرة متوازنة من جميع تلك الأفكار.

فرحة الولد بشرائه للدراجة التي تمناها لم تدم طويلاً، حيث تهشمت تحت إطارات سيارة تعبر الشارع. سائق السيارة هو عامل بسيط، عوّض الولد بقيمة الدراجة.

الجوانب الإنسانية رائعة جدًا في القصة، فالولد رغم أخذه لحقه واستلامه سعر دراجته إلا أنه ظلّ يشعر بالأسى تجاه ذلك الرجل الفقير، وظل يضع الاحتمالات: ربما كان بحاجة إلى المال، أو يريد إرساله إلى أسرته في الخارج، وأنّ هناك من هو أكثر حاجة منه إلى هذا المال.

أعاد المال إلى العامل الفقير، الذي أخبر الولد بأنه ادّخر المبلغ ليشتري حاجيات لأسرته في الخارج.

ولكن ما هي هذه الحاجيات؟ هنا يبدأ منعطف آخر في القصة، فالحاجيات هي بطانيات! لماذا البطانيات؟ لأن الجو هناك شديد البرودة، وهم يعيشون في خيام هزيلة!

وهنا أبدع الرسّام ليس في إخباري ببرودة الطقس، بل فعلاً أشعرني بالبرد. لوحة الثلوج التي تتساقط على الخيام البالية، والوجوه المتعبة، تجعل برودة المأساة تتسرب إلى عظام القارئ، فالرسومات والكلمات تتحول من مجرد حروف وخطوط إلى أحاسيس ومشاعر.

وكانت المفاجأة بإخراج العامل لدراجة الولد من صندوق سيارته وكأنها جديدة، فقد قام بجهد كبير لإعادة تركيبها وإصلاحها، وهو الذي يمتهن تصليح الدراجات الهوائية. وهو درس غير مباشر في عدم الاستسلام، وعدم رمي الأشياء المفيدة التي تضررت، بل بذل الجهد والمحاولة في إصلاحها، والتفكير بإيجابية.

لحظة مهمة في القصة حين يبدأ بطل القصة في افتتاح محل لتصليح الدراجات التي يتبرع بها الأهالي؛ لإرسالها وهي في أبهى حلّة إلى مخيمات اللاجئين في البلدان المنكوبة.

هذا المشروع الذي بدأ بفرد واحد، ثمّ ازداد عدد المتطوّعين، ككرة الثلج التي تكبر وهي تتحرك. هذه اللحظة تمدّ القارئ بطاقة إيجابية كبيرة، ففكرة التغيير تحتاج إلى نفس طويل، وصبر، وهي القيمة التي يفتقدها الأطفال اليوم في زمن سادت فيه قيمة السرعة. 

هنا جسّد الكاتب فكرة (المواطن العالمي)، الذي يتحسس آلام الآخرين، ويبتكر المشاريع لمساعدتهم.

احتاج الولد إلى أن يقنع المسؤول في الهلال الأحمر بمشروعه، ففي مخيمات اللاجئين تكون الحاجة ماسة إلى الغذاء والدواء والملابس وليس إلى الدراجات الهوائية!

الحوار المؤدب والراقي بين الولد والمسؤول في الهلال الأحمر كان نموذجًا للحوار العقلاني والمحترم والمقنع. فأنت قد تكتشف شخصية الطفل بشكل كبير من خلال التعرف على طريقته في الحوار.

القفلة التي اختتم بها الكاتب القصة اختصرت الفكرة «لأن الكلام لا يطبخ رزًا» وهي دعوة للعمل والمثابرة، والتفكير العلمي الذي يعقبه الانطلاق.

ولوحة الختام التي هي على شكل دائرة تعزز فكرة أنها لوحة الختام، وصورة (الكوفية الفلسطينية) رائعة، فالكثير في القصة قاله الكاتب على لسان الرسام.

القصة (بصرية) بامتياز، ولا يوجد تنسيق واحد للخطوط. فكم تعطينا العبارة وهي على شكل قوس من انطباع بالحركة وكأن الولد أمامنا يتحرك بالدراجة في منحدر من الأعلى إلى الأسفل، وهنا تأتي عملية تحريك الصور الثابتة، وسماع صوت الكلمات المكتوبة.

القصة غنية بالأفكار التي تعزز شخصية الطفل، مثل الاهتمام بالأمن الشخصي والمحافظة على المقتنيات الخاصة عبر اقتناء قفل للدراجة.

إضافة إلى أفكار تعزّز الثقافة المالية للطفل، مثل: الشراء بالتقسيط، المفاصلة عند الشراء، إضافة إلى فكرة إنشاء جمعية عائلية للإدخار.

ومن الأفكار أيضًا، التدرب على المهن اليدوية، ريادة المشاريع، تجربة الأشياء الجديدة، وفتح الأبواب المغلقة أمام الإبداع، وخوض الدروب الجديدة.

من المهارات التي ركّزت عليها القصة هي فكرة (عرض الاحتمالات) من خلال العصف الذهني، واستعراض كل هذه الاحتمالات وغربلتها للوصول إلى الاحتمال الأفضل.

قصة (حلم صغير) جديرة بأن تكون سفيرة أدب الأطفال البحريني إلى العالم، فلو أراد قارئ ما التعرف على نماذج من الأدب البحريني فهذه القصة تقف في مقدمة الركب. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news