العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات: سردية التاريخ التوثيقيّ.. رواية «الشيخ الأبيض» للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسميّ

بقلم: د. ضياء عبدالله الكعبيّ *

السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

في مقدمة رواية «الشيخ الأبيض» كتب الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسميّ أنَّ الممثل الأمريكي «باتريك سويزي» Patrick Swayze ذكر له بأنَّه رغب مرة في أن يمثل دور «شيخ عربيّ»، وقد طلب من مدير أعماله أن يبحث له عن قصة عربية بطلها عربيّ سيقوم هو بتمثيل دوره في فيلم، فأجابه مدير أعماله بأنَّ العربيّ ذو ملامح خاصة لا تنطبق عليه. قال السيد «سويزي» بأنَّه ردَّ عليه قائلاً: «لنبتدع قصة ونذكر بأنَّ جنديًا من الجيش الأمريكي الذي نزل في شمال إفريقيا إبان الحرب العالمية الثانية تاه في الصحراء فوجدته القبائل، وعاش لدى تلك القبائل حتى أصبح واحدًا منهم ثم صار شيخًا عليهم!». قال الشيخ الدكتور القاسمي للممثل الأمريكي: سأروي لك قصة حقيقية مماثلة لتلك القصة التي تبحث عنها. لقد دار الحوار بين الشيخ الدكتور سلطان القاسمي والممثل الأمريكي «سويزي» قبل حوالي عام من تأليف الشيخ القاسمي روايته «الشيخ الأبيض» ذات المرجعية التاريخية الحقيقية.

إنَّ الرواية عند الشيخ الدكتور سلطان القاسمي لا تقوم على خطاب المتخيّل السردي، وإنّما تعتمد في أساسها على سردية توليفية من روايات تاريخية سُردت عن الحدث مع ترجيح أقواها. وبالتالي فإن روايته التاريخية هي في الأساس دراسات تاريخية حاول تخليصها من منحاها الأكاديمي الصرف من التوثيق والحواشي والهوامش والمرجعيات إلى الصفحة الأخيرة التي تختزل كافة المصادر التي تشكل مرجعية الروايات. يقول الشيخ الدكتور القاسمي عن هذه الرواية إنّها قصة حقيقية وقعت أحداثها في بداية القرن التاسع عشر، ولكتابتها لم يكتفِ بما بين يديه من وثائق وكتب، بل قام بزيارة لمدينة «سيلم» في الولايات المتحدة الأمريكية، وشاهد المباني القديمة في الجزء المتبقي من المدينة القديمة_ بلدة «جوهانس بول»، كما قام بزيارة متحف «بيبودي»، وكذلك مركز الوثائق «إيسكس» في «سيلم». أمَّا في الشرق فقد بحث عن أحفاد «جوهانس بول» في ظفار، فعثر على السيد عبدالخالق بن سالمين بن ربيع، وهو ابن السيدة المعروفة في ظفار «حرير» بنت عبدالله بن محمد «جوهانس بول»، وأمها «بريكون» التي تزوجها والدها في أواخر حياته. ولتوثيق حياة «الشيخ الأبيض» عاد الدكتور القاسمي إلى وثائق عربية منها «بضائع التابوت في تاريخ حضرموت»، وهو مخطوط بقلم السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقّاف، ويقع في ثلاث مجلدات كبيرة، ومجموعة مكاتبات الحبيب طاهر بن حسين علوي، وإلى كتاب «نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود» للبهكلي، وكتاب «تاريخ المخلاف السليماني» للعقيلي وكتابي «الاحتلال البريطاني لعدن» و«العلاقة العُمانية الفرنسية» للدكتور القاسمي كما عاد إلى وثائق ومراجع إنكليزية.

استطاع الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أن يعثر أثناء تنقيبه في مئات المصادر والمراجع على هذه السيرة الاستثنائية التي تماهت مع المكان والزمان والقبيلة إلى درجة إثارة إعجاب القبيلة المعادية «القرا». يذكر الشيخ الدكتور سلطان القاسمي في نهاية هذه الرواية «دخل عليه - أيّ عبدالله بن محمد - أحد رجال المهرة وهو يصيح.. يا شيخ.. يا شيخ عبدالله.. أنت اليوم شيخ القرا.. وهذه شيوخ القرا كلها جاءت تبايعك. بايعت شيوخ القرا على أن يصبح عبدالله بن محمد شيخا عليهم. عاش عبدالله بن محمد شيخًا لقبيلة القرا مدة طويلة من الزمن. وكان يُلقب بالشيخ الأبيض. وقد تزوج في أواخر حياته بالسيدة «بريكون» التي أنجبت له بنتين، توفيت إحداهما بعد وفاتهن وعاشت ابنته حرير، فأعقبت الأولاد». هذا تاريخ يبرز مدى التسامح الثقافيّ في منطقة الخليج العربيّ في احتضان طفل صغير أمريكي قدم إلى الخليج، وهو لا يزال في التاسعة من عمره على متن شفين تجارية أرادت استجلاب البُن من ميناء المخا، وشاءت الأقدار أنَّ هذا الطفل الصغير سيقضي بقية حياته في ظفار، وسيدفن فيها بعد أن تحوّل اسمه من «جوهانس بول» الأمريكي المتحدر من أصول ألمانية إلى الشيخ الأبيض عبدالله بن محمد شيخ قبيلة «القرا» الظفارية!

أستاذة السرديات والنقد الأدبيَّ الحديث المساعد،قسم اللغة العربيّة والدراسات الإسلاميّة، كلية الآداب،جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news