العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

معالم البناء العقلي والفكري للإنسان في القرآن الكريم

الجمعة ٠٦ مارس ٢٠٢٠ - 10:12

بقلم: د. أحمد علي سليمان

وفيما يتعلق بدور القرآن الكريم في بناء الشخصية فكريا وعلميا فقد كانت نظرته إلى هذه القضية تتسم بالتكامل والتنوع والشمول، لتدريب العقول على استقراء واستلهام آيات الله وآلائه في كتابيه: المسطور والمنظور، والسباحة الفكرية في ملكوته طولا وعرضًا وعمقًا وبشكل دائب لا ينقطع.. بل إنه تعالى رفع مقام التأمل والتذكر والتفكر، بأن جعل التفكر فريضة إسلامية، كفرائض العبادات وشعائرها..

لقد بدأ الأمر الإلهي الكريم في القرآن العظيم بقوله: «اقرأ»، ثم أمر الإنسان أن يتدبر في نفسه وفي خلقه «وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، وأمره أن يتدبر ويتفكر ويتذكر ويتأمل وينظر ويعمق النظر ويقلبه في كل آلائه ومخلوقاته.. في كل زمان وفي كل مكان.. ليظل عقل المسلم وفكره في عمل دائب؛ لإفادة النفس والكون والحياة.. قال تعالى: «أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» (الغاشية: 17-20)، «وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» (آل عمران: 7)، وقوله جل وعلا: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران: 190-191)، وقوله «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة: 164). إن هذه الآيات -وغيرها كثير- لتؤكد مكانة هذا البناء الفكري والعقلي والعلمي. 

لقد سبق القرآن العظيم وهو يبني شخصية المسلم فكريًّا وعقليًّا إلى الارتقاء في مراتب التفكير العليا من ناحية، وإلى احترام قيم العلم (البحث، والتأمل، والتوثيق، والكتابة، والموضوعية، والنزاهة، والحيادية، والتفكير المعمق، والعمل الجماعي، والشورى، والتعددية وقبول الآخر، واحترام المخالف، والابتعاد عن الانفعالات الفكرية، والرجوع إلى أهل الذكر في كل مجال والرضوخ لأقوالهم، ومجاهدة العقل والفكر لكي يكون متوازنًا، والإيمان بالفروق الفردية، والتسامح، والتركيز على غرس القيم الدافعة للتقدم، على رأسها قيم الإحسان والإتقان والبراعة في التفكير والتعبير) من ناحية أخرى.

كما دعا القرآن إلى البناء العقلي والفكري من خلال التربية البصرية وتعميق النظر في بديع صنع الله في الكون، فالناظر المدقق في ذلك يلحظ أن الإنسان تعلم الفن والذوق الرفيع من الطبيعة والكون.. من الزروع والورود والزهور والنباتات.. ومن الرخام، والطاووس، والطيور، والأسماك، وقوس قُزح وتداخل الألوان في السماء وغيرها من مخلوقات الله.. كما دعا أيضا إلى البناء العقلي والفكري من خلال التربية السمعية بتدريب الأذن على السباحة والسياحة في ملكوت الله، وسماع النغم الطاهر الذي خلقه الله في هذا الكون، فمن أنغام الكون (أصوات الرياح، وأصوات البحار، وأصوات الطيور والمخلوقات.. وأصوات مرور الهواء بين الزروع والأشجار... وغيرها)، كل ذلك من أجل أن تتأدب النفوس وتتهذب وترقى في هذا الحياة.

لذلك عاتب الله تعالى أولئك الذين لا يُعملون عقولهم، ويعطلونها، وشبههم بالأنعام، بل هم أضل، قال تعالى: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» (الأعراف: 179).

عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news