العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

المراجعات الفكرية وأسباب التوقف الحضاري (1)

الجمعة ٠٦ مارس ٢٠٢٠ - 10:12

موضوعنا الذي أود أن أناقشه متشعب الأركان، والخوض فيه ليس بالأمر السهل، لأنه يمس فكر الأقدمين وفكر المحدثين، وقبل أن أبدأ في الموضوع أود أن أقرر أمرا مهما ألا وهو تأكيد الأحقية الفكرية لكل من يستطيع الى ذلك سبيلا من دون تسفيه لفكر أو رأي قديم كان أم حديثا، وهذا الأمر لا يعيب المحدثين حين يتكلمون عن الأقدمين، الغالبية منهم الا قليلا يقع في شراك التسفيه والتقليل من رأي الأقدمين، ونسى أن رأيه ايضا يحتمل النقد، وربما يأتي من يسفهه ايضا، فالنقد لا بد أن يكون بموضوعية من دون الخوض في كلام لا طائل منه، ايضا لا بد وأن ندرك أن ما نتكلم عن فكرهم ليسوا بيننا اليوم بل مضى على رحيلهم مئات السنين، ومن ينقد رأيهم لم يعش في زمانهم ولم يعرف لماذا قالوا هذا الرأي حتى يسفهه، وكذلك فإن هناك فرقا كبيرا بين التفكر والتدبر الذي أمرنا الله به، وبين التأويل أو التفسير لكتاب الله، كما قال الحق «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد:24)، وقال ايضا «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ»(القمر:22) وقد تكررت هذه الآية الكريمة أكثر من مرة، وغيرها الكثير والكثير من الآيات التى تدعو الى التفكر والتدبر في ملكوت الله وفيما خلق الله، «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (العنكبوت:20)، هذا حق وأمر من الله لنا جميعا بالتفكر والتدبر، ولكن التأويل أو التفسير لا يمكن أن يقوم به كل الناس، كما قال الحق «وَالَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» (آل عمران:7)، ولذلك فإن النظر في كتاب الله قراءة وتفكرا وتدبرا أمر محبب، ولكن التصدي للتفسير واستنباط الأحكام أمر لا يقوم عليه الا أهل العلم والفقة الذين تتوافر فيهم شروط الاستنباط للأحكام وتأويل آيات الله، وعلى مر التاريخ الإسلامي منذ أن بعث الله رسوله بالحق حتى يومنا هذا فإن باب التفكر والتدبر مفتوح لنا جميعا وكذلك باب الاجتهاد في تأويل كتاب الله واستنباط احكامه موجود ايضا، ولن يتوقف الأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والساحة الآن مليئة بالتيارات الفكرية والمذهبية، ولكن يبرز تياران من بين هذه التيارات، التيار الأول درس فكر الأولين ويعيش عليه وربما لا يضيف اليه جديدا الا قليلا، ويرجع الى بعض الآراء التي قيلت منذ الف عام وأكثر ويؤكد عليها، هذه الآراء تصح في الزمن الذي قيلت فيه وبعضها يمكن أن يصلح لزماننا، على سبيل المثال، مثلا اراء الفقهاء حول مسح الرأس يمكن أن يكون جزءا من الرأس أو الرأس كله، لا يختلف عليه أحد اليوم، فليأخذ الإنسان بالرأي الذي يميل اليه قلبه، وهل يمكن أن نستحضر الآن بعض الأراء التى يمكن أن تثير جدلا عقيما لا طائل منه، مثلا حادثة ارضاع الكبير التي حدثت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالرجوع الى الروايات عنها فقد كانت حادثة امر فيها الرسول امرا لشخص بعينه، فقد كانت تخص سالم مولى ابا حذيفة، وكان سالم يدخل على نسائه غلاما فلما بلغ مبلغ الرجال المحت نساؤه اليه بأنه قد كبر ولذلك حكى أبو حذيفة الأمر للرسول أكثر من مرة فكان رأي الرسول لهم بأن يرضعوه حتى يصير أخا لهم من الرضاعة، حتى وان كان يمكن ان يؤخذ منها حكما ولكن هذا ليس زمانه، وقد أوردت الرويات بأن نساء النبي لم يقبلن بذلك وقبل النبي منهم ذلك، أي أنه كان حكما من الرسول لحل مشكلة بعينها في وقتها، فلم تعد هناك عبودية أو غلمان يخدمون في البيوت، ونحن في القرن الواحد والعشرين وقد تطورت البشرية تطورا مذهلا، والتعليم وصل الى مراحل متقدمة جدا، وصعد الإنسان الى الفضاء، وأصبحنا نرى بعضنا بعضا ونحن نتحدث في الهاتف، فلو جاء أحد من الناس الآن وكان يعيش منذ أكثر من مائة عام مثلا، لظن بأن جنيا يقوم بذلك، مع كل الاحترام والتقدير لكل من قال رأيا واجتهد فيه في أي زمان، فأهل الرأي دائما هم مصابيح الأمم التي تنير الطريق للتقدم وتنوير العقول، وهذا التيار غالبية من يقوم عليه هم من درسوا العلوم الدينية او ما نسميهم شيوخا أو رجال الدين، مع كل التقدير والاحترام لهم، فالرجوع الى كتب التراث التي شرحت الأحاديث واجتهدت في تفسير آيات القرآن الكريم شيء مهم، حتى يمكن أن نأخذ منها ما ينفع الزمان الذي نعيش فيه، حتى يمكن أن نحقق مقولة أن القرآن وأحاديث الرسول الصحيحة صالحة لكل زمان، أي أن كل زمان يجد فيها ما يصلح لزمانه وليس الزمن الذي كان منذ الف واربعمائة عام في بعض الأمور الخاصة وليس كل الأمور، فمثلا الآية في سورة التوبة التي نزلت على الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت فيهم فى زمن الرسول، ولكننا نقرأها الآن أيه مقدسة في كتاب الله لا يمكن محوها ابدا، وكذلك سورة المسد التي نزلت في عم الرسول أبي لهب وزوجته، فقد نزلت فيهم لتقرر أمر شركهم في زمانهم، تبقى سورة كاملة في كتاب الله نقرأها ونأخذ منها العبرة والعظة، ولكن اذا نظرنا الى آيات أخرى فى كتاب الله تقرر أحكاما دينية وعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فهي ثابتة لا اجتهاد فيها، ولكن الاجتهاد في كيفية أدائها، وهذا يقوم عليه أهل العلم الذين تتوافر فيهم كل المقومات والشروط الواجبة لكي يشرحوا الكيفية وهنا يمكن اختلاف الرأي ولكل حجته وبرهانه وأنت تأخذ الرأي الذي يميل اليه قلبك، ثم آيات الصدقات والإنفاق هي صالحة لكل زمان ومكان، فنحن نرى الناس في شتى بقاع الأرض يحبون عمل الخير ويحبون التبرع للفقراء أيا كانت عقائدهم، فعمل الخير لا يحده مكان ولا زمان، ايضا الآيات التي تحض على مكارم الأخلاق وما أكثرها في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله، حتى أن الرسول قال في معنى الحديث، «انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، كل الناس تحب صاحب الخلق الكريم وكل الناس تحب أن تكون على خلق كريم، حتى أهل الشر من الناس يحب أن يكون على خلق كريم، أي أننا أمام أمر لا يحتاج الى كل هذا الضجيج، ولكنه الإنسان دائما ما يحب الجدل والقيل والقال وكثرة السؤال، فعلى أصحاب هذا التيار أن يكون نقلهم للأراء القديمة بحذر شديد، وأن يكون التجديد فيما يستجد من أمور مبنيا على ظروف وأحداث الزمن الذي يعيشون فيه، وهذا ما أخذ منه التيار الثاني فكرهم، فقد بنوا على فكر التيار الأول بعد أن رأوا الرجوع الى زمن الأقدمين، وهذا ما سوف نتحدث عنه في المقالة القادمة بمشيئة الله تعالى. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news