العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (116)

الجمعة ٠٦ مارس ٢٠٢٠ - 10:11

بقلم: د. غريب جمعة

قد يعجب البعض من استقالة الإمام الأكبر فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر من أكبر منصب علمي وديني في العالم الإسلامي، يمد الكثيرون أعينهم إليه ويتشوفون لشغله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

ولكنهم لو عرفوا رأي الشيخ فيما يجب على العلماء ما وجد العجب إليهم سبيلاً.. إنه يرى أن على العلماء أن يقولوا كلمة الحق لأهل الحل والعقد دائماً وعدم التوقف عنها، حيث يقول:

ولا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سيرة أرباب المناصب والولايات فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم حتى إذا أبصروا عوجاً نصحوا لهم أن يستقيموا أو رأوا حقاً مهملاً لفتوا إليه أنظارهم وأعانوا على إقامته. ومن أدب العلماء أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل فأوذي فتجلد للأذى.

أما العلماء المتملقون فإنهم يبتغون رضا الأمراء أكثر من رضا الله عز وجل ولا يبالون أن يفتوهم بغير ما حكم الله ويعرضوا عليهم المحرمات في صورة المباحات.

لقد ضرب الإمام الجليل المثل بنفسه فجعل من مواقفه التي مرت بك الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة، ونحسبه قد أدى واجبه نحو دينه ونحو أمته فلقي ربه راضياً مرضياً -إن شاء الله-.

تعددت الكلمات حول استقالة الإمام الأكبر شيخ الأزهر ونحن نختار منها ثلاثا كان أصحابها من أقرب الناس إلى الأزهر وشيخ الأزهر وإليك ما يلي:

1- ماذا قال الدكتور زكريا البري وزير الأوقاف المصري (سابقاً):

أقيم حفل بمناسبة ذكرى الإمام محمد الخضر حسين في مسجد بطريق الأهرام - نزلة البطران - الجيزة - القاهرة وألقى الدكتور زكريا البري كلمة بهذه المناسبة جاء فيها:

خرج الشيخ من المشيخة وقدم استقالته لأنه غضب من بعض الأمور التي أرادتها حكومة الثورة بالأزهر، وقال: لا أوافق عليها مطلقاً!!

ثم بعد ذلك زاره وزير الأزهر الذي استحدثت له الحكومة هذا المنصب ليسحب البساط من تحت أقدام شيخ الأزهر ويتولى معظم اختصاصاته وهو (أي وزير الأزهر) حي يرزق وقد حدثني بهذا أيضاً وحدثته حينما نقلت إليه ما قاله الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر. فقال الوزير: هذا حقيقي وقد زرته (الكلام لوزير الأزهر) وقلت له: إن استقالتك واعتكافك سببت للدولة متاعب سياسية. وأنا باسم الدولة أنصح باسترداد الاستقالة والعودة إلى العمل.

قال الإمام: بشرط أن تستجاب المطالب التي تقدمت بها وأن تعدل حكومة الثورة عما تريده نحو الأزهر.

قال الوزير: لك هذا وذهب الشيخ إلى مشيخة الأزهر يوماً واحداً أظنه يوم الخميس ثم قرأ في اليوم التالي قبل أن يخرج من بيته قبول استقالة شيخ الأزهر أو بتعبير أدق تعيين شيخ آخر مكانه.

فزرته في المساء (الكلام لا يزال للدكتور زكريا) وقلت له: كيف تم ذلك؟ فقال: لا أعلم. أنا ذهبت لمصلحة الأزهر كما حدثني الوزير المختص بذلك. ثم بعد ذلك لم يتحدثوا عن استقالتي وإنما تحدثوا عن خروجي وتعيين غيري. يا بني: إن كانت جنة فقد دخلتها وإن كانت ناراً فقد خرجت منها.

2- رأي عالم أزهري في الاستقالة:

بعث العالم الأزهري الشيخ عبدالكريم حماد الموظف برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رسالة إلى الأستاذ علي الرضا الحسيني جاء فيها: الإمام الأكبر المغفور له -إن شاء الله- الشيخ الخضر حسين عالم عامل زاهد عابد، عارف بالله صغرت الدنيا في عينيه فكان بحق شيخ العلماء العارفين، وإمام الزاهدين العابدين، عرفته شيخاً للأزهر فقاده في فترة هوجاء عاصفة الرياح تدمر كل شيء فقاد الأزهر إلى بر السلام في تلك الفترة.

أرادت السلطات الحاكمة -بتعليمات مستوردة- أن تغرس غراسها في عقول أبناء الشعب المصري فرأت الأزهر الشريف عائقاً دون تحقيق آمالهم فطلبت من فضيلته تغيير ملامح الأزهر وأعدت له مشروعاً أسمته (تطوير الأزهر) واضعة نصب عينيها أن يكون الأزهر مدرسة علمية فقط، فأبى الشيخ وثار على هذا القانون ثورة يسجلها التاريخ له بأحرف من نور.

ووقف الشعب وراء شيخه وهو يناضل سلطان البغي حينذاك صابراً محتسباً، فألقى الله في قلوبهم الرعب والخوف فهادنوه -مؤقتاً- حتى يهدأ الشعب من ثورته ضدهم.

التف الشعب حول شيخه يطلب المزيد من علمه فتحولت داره إلى حلقه دينية إسلامية تجمع صفوة العلماء والمفكرين وأبناء الشعب العامل.

غيرت السلطات الحاكمة خطة حربها ضد الشيخ فبدأت تكيد له المكائد باتجاهها نحو شراء من لا خلاق لهم من أبناء الأزهر بحجة أن خريجي كليتي الشريعة وأصول الدين ليس لهم حظ في الحياة وأغلقوا أبواب الرزق عليهم، وتكاملت حلقات المؤامرة وترابطت فثار الطلبة على شيخهم، وكم حاول الشيخ أن يوضح الرؤية لأبنائه ولكن بدون جدوى، والسلطة تزيد الثورة اشتعالاً، فشغلت الشيخ بأبنائه وعزيز على النفس الأبية أن تقهر العدو في الخارج ومن داخلها كان أبناؤه يقهرونه، فاضطر -رضوان الله عليه- أن يقدم استقالته بعد أن أوضح أبعاد المكيدة لأبنائه، ولكن ثورة الشباب صمّت الآذان عنه واعتكف الشيخ في بيته فهلل الشيطان فرحاً بالانتصار في قهر الشيخ وقبلت السلطات استقالته من فورها واعترفت للطلاب الثائرين وعينتهم في وظائف عالية.

وبهذا مُكنت السلطات من تنفيذ قانون تطوير الأزهر وحولته إلى مدرسة علمية وأدخلت فيه غير أبنائه حتى لا تقوم له قائمة. وهكذا تم لهم ما أرادوا وغرسوا ما غرسوا، ولكن أرض مصر -بعون الله- أبت على هذا الغرس أن ينبت ومن نبت خرج هزيلا فمات حيث رفض نيل مصر أن يسقيه. فحفظ الله دينه، «ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين» [آل عمران: 54].

وعاد الأزهر أشد صلابة وقوة يؤدي واجبه نحو الله.

ولما توفي شيخنا خرجت مصر عن بكرة أبيها تشيع قائد ثورتها الدينية إلى مثواه الأخير.

رحم الله شيخنا وأنزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

عبدالحكيم حمادة 

من علماء الازهر الشريف برابطة العالم الإسلامي

مكة المكرمة في 18/8/1397هـ

3- كلمة الدكتور محمد عمارة:

نشرت مجلة الدوحة «القطرية» في العدد 125 الصادر في شعبان 1406هـ مايو 1986 مقالاً للدكتور محمد عمارة جاء فيه:

وعندما قامت الثورة المصرية في 23 يوليو 1953م كان منصب شيخ الأزهر شاغراً فوقع اختيار الثورة وحكومتها على الشيخ الخضر إماما أكبر وشيخا للإسلام فتوجه ثلاثة من الوزراء إلى منزل الشيخ بشارع خيرت بالقاهرة القريب من مبنى مجلس الوزراء المطل على ميدان لاظ أوغلو في يوم الثلاثاء (26 من ذي الحجة سنة 1371هـ - 6 سبتمبر سنة 1952م) طالبين منه قبول مشيخة الأزهر فنهض بالأمانة ما وسعت طاقته وعندما أحس بضغوط تحول بينه وبين تنفيذ ما يريد، أو تطلب منه تنفيذ ما لا يرضى صمم على الاستقالة في (2 من جمادى الأولى سنة 1373هـ - 7 يناير 1954م) قائلاً كلمته الشهيرة:

«يكفيني كوب لبن وكسرة خبز وعلى الدنيا بعدهما العفاء»؟!

ولقد ألمح إلى ملابسات استقالته عندما قال: «إن الأزهر أمانة في عنقي أسلمها -حين أسلمها- موفورة كاملة، وإذا لم يتأت أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي فلا أقل من ألاَّ يحصل لي نقص» لقد كان -رحمه الله- عقلاً إسلامياً مجدداً ومناضلاً في سبيل النهضة العربية والإحياء الإسلامي يتحلى بخلق الأولياء والصديقين والشهداء.

فهو في تونس يواجه الاستبداد الاستعماري والمسخ الحضاري بالدعوة إلى إحياء العربية، لتكون سلاحاً في معركة الأمة من أجل حريتها واستخلاص هويتها العربية الإسلامية، ويستنهض الشعب بإبراز قيمة ومكانة الحرية في الإسلام ويدفع الثمن هجرة من الربوع التي نشأ فيها.

فلا كان من عيش أرى فيه أمتي ... تساس بكَفَّيْ غاشم وغريب!

وهو في مصر يتصدى لخطر الغزو الفكري ممثلاً في تيار «التغريب» فينقض كتابي علي عبدالرازق وطه حسين ويسهم بالفكر في انهاض العروبة وتجديد الإسلام، ويسلك سبل التنظيم الاجتماعي والفكري والقومي والعلمي من خلال جمعية الهداية الإسلامية ومجلتها وجمعية تعاون شمال إفريقيا، وجمعية الشبان المسلمين، وهيئة كبار العلماء، والمجامع اللغوية، والقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، ومجلات «نور الإسلام» و«لواء الإسلام» إلخ ليجمع الأنصار حول فكره التجديدي ويمهد السبيل لهذا الفكر كي يوضع في الممارسة والتطبيق.

لقد جمع إلى وعيه بتراث أمته وكنوزها الحضارية وعياً بالتحديات المعاصرة التي تحول بينها وبين النهضة والإحياء، فكان لسان «الأصالة» المعبر عن مشكلات «المعاصرة» وضروراتها، يذود عن «فكر الإسلام» و«مجد العروبة» ويدعو إلى النهضة الحديثة المرتكزة على المعارف والصناعات. واستمع إلى نظمه في ذلك:

أبناء هذا العصر! هل من نهضة ... تشفي غليلاً حرُّه يتصعَّدُ؟!

هذي الصنائع ذُلِلَّت أدواتها ... وسبيلها للعالمين ممهَّدُ

إن المعارف والصنائع عدة ... باب الترقي من سواها مُوصدُ!

ولقد أصاب صديقه العالم الفاضل محب الدين الخطيب، عندما وصفه فقال:

«هذا رجل آمن بالإسلام ودعوته وأحب من صدر حياته أن يكون من الذين قال الله سبحانه فيهم: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون» [فصلت: 30].

ونكتفي بهذه الكلمات حول استقالة الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر وقد كانت فترة شغله لها حلقة من حلقات الوقار والكمال والعزة والجلال في سلسلة شيوخ الأزهر العظماء.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news