العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

قهر الرجال

«هذه من أجل شعب إسرائيل وأمن عائلتي الحبيبة».. 

ما إن تقرأ هذه العبارة السابقة التي كتبها «نتنياهو» بخط يده في ورقة صغيرة، ثم حشرها بأصابعه في واحد من شقوق حائط البراق يوم الإثنين الماضي، حتى تستفزك مشاعر الحزن ويقهرك الغضب، ثم يضيق صدرك، ويتأتأ لسانك، ويصعب عليك شهيقك، ويتحشرج زفيرك، ولا تستطيع أن تزهو بأمجادك وهو يسلبك أعز ما تملك من أراض، ورموز، ومقدسات، ولا تملك إلا حسراتك، تخرجها في تنهيدة حارة، تماما كغيوم سوداء تلبدت فجأة في السماء الصافية، وظلت جاثمة كئيبة لا تستجيب للرياح أن تحركها، فلا هي أمطرت حتى تزهو محاصيلك وتنضج حقولك وبساتينك، ولا هي تسمح لأشعة الشمس أن ترسل على الأرض دفئها، وعلى الكائنات سلامها. 

مقولة أراد نتنياهو من خلالها أن يوصل إلينا رسالة واضحة المعالم، وهي أن القدس قدسي، والمكان مكاني، والحائط حائطي، والزمان لي، ولن أتقاسم معكم يا «أغيار» معيشتي، لأننا أمة الكتاب المقدس، أحب نفسي ومصالحي، لا يقتل بعضنا بعضا، بل يحق لنا كيهود أن نضرب رقاب البالغين من شعب «كنعان» بحد السيف، نسبي نساءهم، ونسترق أطفالهم، ونستولي على جميع ما لديهم من متاع وعقار ومال، حيث قررت أسفارنا أن «عرب الأغيار» «شعب كنعان» الذين استولينا على أرضهم، وخبزهم، وماءهم، وحطبهم، وبلحهم، وعنبهم، وكتب عليه في الأزل، ان يكون رقيقا لبني إسرائيل.

من سوء حظ بني إسرائيل، أن قادتها السابقين، سحقوا حتى الموت، وهم يكررون على مسامعنا نفس ما يقوله نتنياهو الآن، ولربما وعوا هذه الحقيقة الآن، لكن بعد فوات الأوان، وأن كلامهم كان مصدرا للندم.

يستطيع المرء أن يحافظ على تماسك النفس عن كل ما تعنيه الذات، أما «نتنياهو» لم يعد أمامه من خيار في مواجهة الرأي العام العربي سوى أن يفلت لسانه بالمواعظ الأخلاقية.

لسان حال هذه المواعظ تقول، وأنتم يا من تطالعوني واقفا في هذا المكان، أن هذا الحائط هو حقي، وملكي، وقد أعطيت لنا أرضه وعدا، ولنا عليها حق، ومن لا يصدقني عليه أن يفهم ان فلسطين هي الأرض الموعودة، ونحن شعب الله المختار، وقد أعطيت لنا من الرب، ومن أراد أن يتأكد من صحة أقوالي، عليه أن يراجع سفر تكويني 15/18ـ21 ما نصه «في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام «إبراهيم» ميثاقا قائلا «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات». 

رسالة صهيونية جديدة يتعالى بها «نتنياهو» علينا صلفا وغطرسة، مرهقة للنفس، هالكة للجسد، بعدما طالعناه وسط الحشود الهادرة من قوات الأمن الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف، وقد أخلت له بالقوة ساحة المبكى من المصلين اليهود، كي يصلي هو وعقيلته «سارة» عشية انطلاق فتح صناديق الاقتراع الثالث والعشرين للكنيست في إسرائيل. 

لن تكف إسرائيل عن أحلامها التوسعية، ولن ترغمها الأوضاع السياسية لسكان البيت الأبيض حاليا، أن تقبل قدرا من السلام الهزيل الذي يعطيها أكثر مما يعطي الفلسطينيين. 

قبل إعلان فوز الليكود بالنتيجة تجول «نتنياهو» مع عقيلته في سوق «محانية يهودا» أحد أحياء القدس القديمة، شمال شارع يافا، لحث اليهود الشرقيين من الغربيين الإشكناز، بدعم حزب الليكود ومن على شاكلته من أحزاب يمينية متطرفة، ويطلب «نتنياهو» من أهل السوق أن يخرجوا للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات كون أصحاب السوق هم الداعمون الأساسيون لنتنياهو وحزبه.

في الختام، هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة، وهذه الهدن التي تم شواؤها في البيت الأبيض على دخن، تستدعي قيام «نتنياهو» بتحقيق وعوده بضم منطقة الأغوار والمستوطنات، كما استدعت من قبل وعد بلفور من رحم التاريخ، وتركل الآن بالأقدام، وعد ترامب بصفعة القرن. 

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news