العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

أغاني المهرجانات .. كيف نتعامل معها؟

ليس معنى أن أغاني المهرجانات لها شعبية كبيرة ويتعلق بها ملايين أنها بالضرورة أغانٍ جيدة أو لا تثير أي مشكلة أخلاقية أو فنية.

لكن القضية ليست هنا.

القضية أن هذه ليست مجرد أغانٍ معزولة يعتبرها البعض هابطة أو مسفة أو تافهة.. هي ظاهرة اجتماعية بكل معنى الكلمة.

حين كتبت عن الفنان شعبان عبدالرحيم بعد رحيله قلت إنه لا يمكن لأي ظاهرة غنائية أن تحقق شعبية كبيرة من دون أن تكون لها قاعدة اجتماعية؛ أي من دون أن تلبي حاجة اجتماعية أو سياسية ما لدى شرائح من المجتمع ولها دور اجتماعي تؤديه. وينطبق هذا على أغاني المهرجانات.

حين ظهر الفنان أحمد عدوية بعد هزيمة 67، وأصبح مدرسة تبعه فيها كثيرون، كان يعبر عن ظاهرة اجتماعية جديدة أفرزتها الهزيمة. وحين ظهر الفنان شعبان عبدالرحيم في مرحلة تالية وقلده أيضا كثيرون، كان يعبر أيضا عن ظاهرة اجتماعية جديدة.

لا أريد أن أتحدث الآن عن هذه الأغاني الشعبية كظاهرة اجتماعية، وما هي الظروف والأوضاع التي أفرزتها، وما هو الدور الذي تؤديه، ولو أن هذا أمر يستحق حديثا تفصيليا. 

لكن نقول باختصار شديد جدا، إن هذه الأغاني هي صوت لشرائح اجتماعية واسعة إلى حد ما. تعتبر أنها مهمشة، ولا تجد أن الغناء التقليدي الذي نعرفه يعبر عنها وعن حالها وطريقة تفكيرها وآمالها.. هذه شرائح لديها «لغة» خاصة ولديها إيقاع خاص وموقف من أوضاع المجتمع والحياة عموما.

أريد أن أقول إنه من الخطأ الفادح التعامل مع المسألة على أنها مجرد مجموعة شاذة من الأفراد يؤدون أغاني المهرجانات بهذه الكلمات وبهذا الشكل، وبالتالي من السهل التخلص منها. يجب التعامل معها على أنها كما قلت ظاهرة اجتماعية من المفروض أن نأخذها بجدية تامة.

لهذا أتمنى بداية أن تهتم نقابة الموسيقيين، وأيضا المراكز البحثية، والمؤسسات الرسمية للدولة بدراسة ومعرفة، لماذا ظهرت هذه الأغاني وفي أي إطار اجتماعي وسياسي؟ ومن هي هذه الشرائح الاجتماعية التي تتعلق بأغاني المهرجانات؟ ولماذا؟.. وهكذا.

هناك «ذوق عام» في المجتمع يتقبل هذه الأغاني.

أما التعامل مع الظاهرة على النحو الذي تعاملت به نقابة الموسيقيين فهو أمر خاطئ وليس له جدوى أو نتيجة عملية أساسا.

تصور النقابة أن إصدار قرار بالمنع النهائي لهذه الأغاني وتهديد الفنادق والمنشآت السياحية والمقاهي إن هي أذاعتها، سوف يقضي على الظاهرة، تصور ساذج تماما.

من الذي يستطيع أن يمنع شيئا في عالم اليوم؟

لو تم فرض حظر كامل على حفلات الذين يغنون هذه الأغاني في أي مكان، فسيستمرون في الغناء وسوف تنتشر أغانيهم ربما أكثر من قبل على مواقع الإنترنت المتعددة واليوتيوب وسيتابعها من يريد.

وهل تستطيع النقابة مثلا أو حتى الأجهزة الرسمية إرسال مندوب إلى كل بيت، وكل فرح، ومع كل سائق تاكسي أو توك توك، ومع كل شاب يحمل هاتفا أو يجلس أمام كمبيوتر كي تتأكد من أنهم لا يذيعون هذه الأغاني ولا يستمعون إليها؟

نقابة الموسيقيين والذين يهللون لموقفها وقراراتها بهذا الشأن يخوضون معركة وهمية خاسرة سلفا، ولا يمكن لهم أن يكسبوها أصلا.

والتصريحات أو الكتابات التي تهول من شأن خطر هذه الأغاني والقول بأنها تدمر الأخلاق والمجتمع والقيم بل والحضارة نفسها، لا يتوقف عنده أحد أو يأخذه بجدية، على الأقل من جانب الملايين الذين يحبون هذه الأغاني.

نقابة الموسيقيين بمقدورها بدلا من المنع وهذا التهويل الغريب أن تلعب دورا في ترشيد الظاهرة.

عليها مثلا أن تمنح تصريحا للمطربين الذين لديهم قدرات غنائية فعلا. وبمقدورها أن تشترط مثلا على من يغنون هذه الأغاني أن تجيز كلماتها وضمان ألا تتضمن أي شيء خارج أو مسيء للأخلاقيات العامة.

وحتى من دون أن تفعل النقابة هذا، هناك من القوانين التي تضمن محاسبة أي أحد يسيء إلى الأخلاقيات العامة أو يهدد القيم كما يقال سواء كان مطربا أو غير ذلك.

ما كتبته أمس واليوم هو رأيي في هذه الضجة المثارة حول أغاني المهرجانات.

وبشكل عام، الأمر الذي يدعو إلى أشد الانزعاج حقيقة أن ظواهر كبرى وشديدة الأهمية في حياتنا السياسية والاجتماعية العربية في مختلف المجالات نتعامل معها باستهتار شديد، وبكثير من الاستخفاف.

بهذا الشكل لا يمكن أن نعالج أي ظاهرة سلبية، ولا يمكن أن نتقدم إلى الأمام.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news