العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

الثقافي

«أنتِ الحزن الأول» المؤذن يبحر بعيدا عن السرد

قراءة: محمد أبو حسن

السبت ٢٢ فبراير ٢٠٢٠ - 02:00

برز الكاتب والقاص البحريني أحمد المؤذن من خلال عطائه الأدبي الذي امتد سنين طيلة مسيرته الأدبية، في مجال كتابة القصة القصيرة والرواية في عالمها السردي الأدبي والفني، فقد بدأ مسيرته الأدبية القصصية منذ نعومة اظافره بالمدرسة حتى انطلاقته وشهرته الأدبية في مجال كتابة القصة، فكانت إصداراته كالتالي: 

* «أنثى لا تحب المطر» (مجموعة قصصية) 2003* «من غابات الاسمنت» (مجموعة قصصية)، 2006 * «رجل للبيع» (مجموعة قصصية) 2009 * «وجوهُ متورطةٌ» (مجموعة قصصية) 2013 * «الركض في شهوة النار» (مجموعة قصصية) 2015 * «شهية السرد الخليجي» (قراءات) 2016.

أما أعماله الروائية فقد صدرت له روايتان الأولى «وقت للخراب القادم» عام 2009 والثانية «فزاعة في وجه الريح» عام 2019. وآخر ما صدر له ديوان شعري إلكتروني «أنتِ الحزن الأول» وذلك ما فاجأ به متابعيه وقرائه. ولو أننا قرأنا مسيرته لرأينا أن المؤذن دائما ما يفاجئ قراءه بالجديد، من خلال تطوير مضامينه الفكرية وأدواته الفنية بدأبٍ وإخلاص في عطائه المتجدد دائما. فكانت تلك المفاجأة إصداره الشعري «أنتِ الحزن الأول» الصادر عن دار راكان الإلكترونية للنشر بجمهورية مصر العربية، للسير على نهجه الأدبي العام والبحث عن شكل أدبي جديد.

ولو أننا تمعنا في قراءتنا السريعة والمتواضعة لهذا المنجز الأدبي الشعري الأخير لمؤلفه الكاتب أحمد المؤذن فهي تعني تطورا ونضوجا فكريا لدى كاتبنا المؤذن في مسيرته الأدبية من حيث العطاء الثقافي الذي يمارسه سردا وشعرا وهو يحاول محاورة عوالمه الأدبية المتمثلة في صورةٍ تغازل القارئ وهي تبحث عن الأنثى الحلم أو النموذج الأمثل.

يحتوي الديوان على (134) صفحة ويضم 38 قصيدة شعرية نثرية تتراوح بين الطويلة والقصيرة لتلك القصائد، كما اشتمل على المقدمة والإهداء الذي شمل بنت الأخت المشاغبة لقصائد كاتبنا القاص المؤذن في بداية طريقها للقراءة، كما احتوى الديوان على سيرة الكاتب، الديوان جميل وأنيق في إخراجه الفني إلكترونيا. ذلك ما شجعنا للدخول والغوص في عالم هذا الديوان في نصوصه الأدبية التي حملت صبغة خاصة في لونها وبعدها الأساسي العاطفي المترامي بين الحب ومشاعر الألم، وذلك ما جعل قصائده بارزة ومتكاملة في عالمها الأدبي، تخاطب الوجدان بلغةٍ شفافة متناغمة. 

انشغل القاص والشاعر أحمد المؤذن بكتاباته السردية، وكان ذلك عالمه الأدبي الذي رمى به إلى عالم آخر وكتابة اخرى في مجال الشعر وصفحات النثر ليعشق ذلك الفضاء في بعده العاطفي. ويضاعف انشغالاته الأدبية، ولو قرأنا معا مقطفا من هذه.. القصيدة التي تعتبر العتبة الأولى في هذا الديوان بالصفحة التاسعة وعنوانها: 

«في وسادة الحلم»

ويغافلني حنين الليل

خالٍ..

إلا من اشتباك الحزن

ينمو شوكا على جسد نافذتي

وهي ذي ساعة الجدار

بلا دفء كما حسناء..

واريت صورتها

في وسادة الحلم المشتهى

غادرني وانتهى

ويغافلني هذيان الأسئلة

تسرق طمأنينة العمر

يذوب شمعة في مهب الرهان

يوم نقشتكِ..

بنفسجا في فورة دمي

يوم كنا..

نقتات زاد الجنون

نركع لفينوس

ثم لا نتوب عن..

حبنا

ويغافلني شوك الظن

تسربل على خاصرة الخوف

أني..

ماضٍ إلى بابكِ

وما من شيء..

يداوي صبري

فلا خطاياي ترحم ضعفي

ولا..

هذا الجنون يرتدع

نشاهد هنا إنشغال المؤلف أحمد ينسج لغته متوجها نحو أنثى مختلفة علها الحب الأول في حياته. هذا النوع من الشعر الدقيق حيث حالة الكلمة العاطفية في بعدها الفني التي تلامس المشاعر الإنسانية حين تجد علاقتها تتمسك بأقرب الناس إليه، ذلك ما يجعله يرسم تلك الهموم وتلك الأمنيات التي من خلالها يعكس عن مشاعره وأحاسيسه الصادقة في جنباتها العاطفية. وبذلك استطاع أن يخلق عالما مقارنا لما رسمته عاطفة ومشاعر الشاعر المؤذن الخيالية المتأججة بالعاطفة، فحين يكتب المؤذن لا يكتب الشعر وهو محمل بلذة السرد. كما في الحالة السردية، فالمؤذن لا يغفل عن تفاصيل ذلك الوجع المتمثل داخل الروح المتأججة بمشاعره وعاطفته، ذاك هو ما تعنيه تلك الكلمات في عنوانها في مثل هذه القصيدة. 

وفي محطة أخرى من محطات هذا الديوان في صفحته السابعة والأربعون، يأخذنا المؤذن ومن خلال لغته المسترسلة في بلاغتها إلى عالم آخر يبحر بنا إلى عمق الكلمة التي ينحتها من وجدانه المتوهج بالوجع وفهم دروس الحياة، كما في هذا النص حيث يقول:

لم يمهلني غسق الجرح

بم يمهلني

إيماء التوهج

من تلك السويعات

هذا القرح

وجهةً أسهمت

في تشكيلي

تساؤلاتٍ تعيد صوابي

تعيد دهشتي

أحفرها واحاتٍ خضراء

ل كن ك

أنت الحزن الأول

وترنيمة صبري

يسمعها النخيل الذي

يعرف الشيء ال كثير

عن ذنبي

عن عرق صدري

قد قلُت يوما ما

أنني أهتدي بكِ

نورا في جهات دربي

بنفسج الرؤى

ليس

إلا أن ت

تنسجين في وجه ك

شُقرة القمح

وسنابل محملة بالخيرات

كل تكوين ك

لا..

ليس هذا الذي يلمعُ

برقي المحمل بالصبح

وما ذاك

ذوب حناني

الموشوم

فوق تراب جلد ك

فها أنتِ

تغادرين مجرى القلب

تتحولين

إلى أغنية

خمرها معتقٌ ول كنني

لا أثمل

وما يسكنني الآن

إلا بقايا زبد

حُزني

أُّهيل عليه رماد الألم

ذاك الذي

يلتصق بي

فماذا بعد أقول

فلست أبحث عن حلبات الشرف

وأنت خضرائي

تتوالد لو كان الهوى

يثمر منكِ

ها دمعي

إيقاعاتي المكللة بالخذلان

عندما انقطع الوتر

توقف عزف السراب

وردا تركتيه للغروب

كيف تركتيه؟

ولو تأملنا هذه القصيدة في تجربتها للشاعر المؤذن، ندرك بأنه استطاع المزج من خلال شاعريته الخاصة لينبثق من همه الاجتماعي والوطني الإنساني من حيث مأساته التي ألحت عليه كتابة هذه المفاهيم في معانيها والتي هي تمثل جزءا كبيرا في تجربته الشعرية العاطفية والنفسية المتشابكة، فتلك هي خلاصة فلسفية عاشها كاتبنا «المؤذن» وهو ينظر للأنثى- المرأة – الحبيبة كوطن يسكنه ولا يغيب عنه أو يتحمل فراقه، حتى وهو في حصار السراب من حوله. هذا البعد من التنوع في الطرح واختيار الكلمة الجميلة في بعدها الفني واللغوي المتناسق، أخبرنا الكثير عن غنى التجربة، فالمؤذن أعطى في إصداره جوانب حياتية كابدها ككاتب على الصعيد الشخصي. فحين تتسامى تلك الحروف بين خلجاتها لتصل للمعنى الحقيقي، ذلك ما يشعرنا بمصداقية الحرف في صورته البلاغية المتمثلة في ذلك البعد الجميل من هذه القصيدة.

وهنا هذه القصيدة التي سنختم بها هذه القراءة بالصفحة 101 من الديوان «بلا رفيق» والتي كما أذكر أنها نشرت في أحد أعداد مجلة الكويت العدد (519) في العام 2019 حيث يقول: 

أرتشف الأسى والصبار

دع الآتي ينتظر جرحي

يبتاع كفاف التذكار

ما لهذا الهوى

ينتحب في شباكي

فكل قافلة تمضي

تترك مواويلها

الأرض

يضاجعها مطرا ربيعي

وها أناي دج ى

لا يهجع فيه الم ذبوح

قلبي

سلاما عليك يا حامل ا تركة خيامي المحروقة

حيث لايزال رحلي بلا ألوان

لا تنفك تستعصي علامات التعجب

أنا صانعها

أحيانا بين لحظات الدعاء

يستفز جنون ما تعرفين

عني

فأمسى الطريق إليك

فضاءات

بيادقها تهاوت

ألا ليت ما تعرفينه الآن

تتقارب هذه القسمات بهذه القصيدة في تكوينها الإبداعي فيما بينها ليصور لنا المؤذن تلك المعاناة النفسية في هجع واضح بات يتسلل لديه في وحدته التي يعيشها والتي باتت رفيقة ومصاحبة له. فحين يصور تلك المعاناة وكأنها الرفيق البعيد الذي غاب عنه الظل فيبحث عنه ذلك ما أراده حينما خاطب الأنثى التي يراها حلمه الأبدي.

وأخيرا، لقد استطاع القاص والشاعر أحمد المؤذن من خلال نبضه الأدبي وثقافته الواسعة وما لديه من موهبة فنية وقدرة لغوية إبداعية بالتميز في طرحه وأسلوبه وأن يصقل موهبته ويطور من أدواته الأدبية القصصية والشعرية الفنية، ليبحر بها نحو الإبداع والتجديد الدائم من حيث العطاءات المختلفة في ثقافتها ومقتضياتها التطورية الحديثة خلال مسيرته المعاصرة ككاتب بحريني.

وديوان «أنت الحزن الأول» ما هو إلا منجز أدبي تعريفي بشاعرنا، يضاف إلى منجزاته الأدبية التي سبقته والذي استطاع عبر متخيله الشعري أن يحول تلك الهموم والمعاناة الحزينة إلى جمال آخر ينبعث منه الأمل، في ساحة حلم، يريده «المؤذن» وأن يكون مخضرا رغم عصف الرياح التي تعاكس أشرعته وهو يبحر في عوالمه الصعبة والعصية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news