العدد : ١٥٣٤٧ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٧ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

البنوك وتسويق التكنولوجيا المالية (1)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الثلاثاء ١٨ فبراير ٢٠٢٠ - 02:00

من البديهي القول إن البنوك ذات أهمية بالغة لأي اقتصاد كان، فهي من الركائز الأساسية للاقتصاد الحديث، بل بمثابة ‏العصب المحرك للاقتصاد، وهذه الأهمية لم تكتسبها من فراغ وإنما من خلال النشاطات والأدوار التي تقوم بها، بدءا من خدمات الادخار وقبول الودائع والتمويل الشخصي، وإتاحة الفرصة للأفراد لشراء سلع باهظة الثمن وتسديدها بأقساط مناسبة على فترة طويلة, مثل المساكن والسيارات، وغيرها، وما تقدمه من فائدة أو أرباح للعملاء على الودائع، وما تحققه من خدمات شخصية متنوعة أخرى كالسداد والمشتريات والائتمان بالبطاقات البنكية المختلفة، وإقراض المال للشركات لتتمكن من تمويل أنشطتها الإنتاجية والخدمية، وانتهاء بتمويل الاستثمارات الحكومية والخاصة، وتحفيز المستثمرين لتنمية قطاعات الاقتصاد المختلفة، فضلا عن الإسهام في رسم السياسات الاستثمارية ومراقبة كفاءة أداء المشروعات الممولة، وتقديم المشورة المالية والاقتصادية للمستثمرين، ومساهمتها المباشرة في شراء الحصص والأسهم في الشركات المحلية وتصدر قوائم مؤسسي الشركات الصناعية الجديدة، والمشاركة في شراء شهادات الإيداع والسندات وأذون الخزانة، وإسناد القروض المصدرة محليا، وتسديد المدفوعات الدولية.

وتقوم البنوك بممارسة دورها الأساسي في تمويل عمليات الاستثمار من خلال ما تقدمه للاقتصاد القومي من تسهيلات ائتمانية وقروض مصرفية موجهة لكافة القطاعات العاملة في الدولة، وبتيسيرها منح القروض والتسهيلات التمويلية للمشروعات والأفراد الراغبين في الاستثمار، تقود الاقتصاد إلى الانتعاش، واتساع التشغيل وتوفر فرص العمل في البلاد، وبالتالي فإنها تسهم في تطوير اقتصادات الدول وعلى اختلاف أنظمتها وأنماطها،‏ بينما تشددها في منح القروض وتوفير التسهيلات المالية للمشاريع الاستثمارية ذات الأثر الحيوي للاقتصاد يؤدي إلى الانكماش وتسريح العمالة، وخفض فرص التوظيف، وتراجع معدلات النمو، فيعد بذلك الجهاز المصرفي عنصرا حيويا يؤدي دورا رياديا واستراتيجيا في تنفيذ أهداف ومكونات السياسة الاقتصادية للدولة بعنصريها المالي والنقدي، فهو يساهم بشكل جوهري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يتطلب تفعيل هذا الجهاز لرفع كفاءته الإنتاجية وتطوير فعاليته الإدارية، وأن يعمل على تحقيق أهدافه ضمن إطار البيئة المالية والمصرفية التنافسية، مما يدفع الحكومات إلى السعي إلى تنظيمها تشريعيا ومؤسسيا، وأن أي أزمة تحدث في القطاع المصرفي لا بد أن تنعكس على القطاعات الاقتصادية الأخرى في الدولة بحكم الترابط بين قطاعات الاقتصاد، فهي بمثابة العصب الذي يضبط حركة جسم الكائن الحي، لذا فإن سلامة الجهاز المصرفي ومدى تطوره هدف مهمّ تصبو إليه معظم الدول من أجل الوصول إلى درجة عالية من الفعالية لتحقيق نظام مالي مستقر ومتوازن.

وفي ظل العولمة والانفتاح وثورة المعلومات والاتصالات، أصبحت البنوك في العالم تعمل وكأنها شبكة واحدة، بحيث إن أية أزمة مالية ومصرفية في دولة ما، لا بد أن تمتد بشكل أو بآخر إلى الدول الأخرى وتترك آثارها على قطاعاتها المالية والمصرفية، الأمر الذي دفع المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي، لجنة بازل للرقابة المصرفية، وغيرها) إلى الحرص على حماية استقرارها، تعزيزا للاستقرار المالي والاقتصادي العالمي، وذلك من خلال وضع الضوابط واللوائح المالية والمصرفية العالمية التي تمنع انحدارها وتعرضها إلى أزمات حادة، كما حصل مع دول جنوب شرق آسيا عام 1996/1997م، ومع الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم العالم أجمع إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008م. 

شهدت البنوك عبر تاريخها الطويل تطورات عديدة في بنيتها وهياكلها وأساليب تقديم خدماتها، رافقت التطورات العلمية والتكنولوجيا والاقتصادية التي شهدها العالم، ولم تكن في يوم ما بمعزل عنها، وقد كانت ولم تزل نشاطاتها وتطوراتها تتسق مع التزامها بأربعة ضوابط أساسية ملازمة لها، وهي حماية أموال المودعين وتنميتها، وحماية رؤوس أموال المساهمين والسعي لتعظيم أرباحها، وإنفاذ توجيهات وتشريعات ونظم البنك المركزي في البلد الذي تعمل به، والانصياع إلى ضوابط وتوجيهات المؤسسات المالية والنقدية العالمية. لذا فقد كانت مواكبتها للتطورات التقنية التي شهدها العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين مدروسة ومثمرة، وبما ينسجم مع إرهاصات موجة التحرير المالي والاقتصادي وثورة المعلومات والاتصالات، الأمر الذي أسهم في اتساع نطاق ونمو الصناعة المصرفية، نتيجة استيعابها حجما متزايدا من المنجزات التكنولوجية والمعلوماتية، فشهدت تغيرا ملموسا في شكل العمل المصرفي، بالاعتماد المباشر على المكائن والمنصات ذاتية الخدمة في تقديم الخدمات المصرفية، وتطويرها بكفاءة عالية بغية ابتكار خدمات مصرفية مستحدثة، وتطور أساليب تقديمها بما يكفل انسياب الخدمات المصرفية من البنوك إلى العميل بدقة وسهولة ويسر، فضلا عن تحسين مستوى أداء البنوك، واتساع نطاق الخدمات المصرفية نتيجة انتشار خدمات الصراف الآلي في مناطق وأحياء تفتقر إلى الفروع المصرفية، فضلا عن خدمات البنوك الإلكترونية وتطور نمو الخدمات التي يتم إنجازها عبر شبكات الإنترنيت، وغيرها من التطورات المتواصلة، حتى برزت إلى السطح ثورة التكنولوجيا المالية FinTech بعد انقشاع أسوأ تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2010, وقد سوقت على أنها بديل للبنوك التي هرمت ولم تعد تصلح لملاحقة مستجدات الثورة الصناعية الرابعة، فهل هي كذلك؟ هذا ما سنناقشه في مقال قادم بعون الله وتوفيقه.

‭{‬  أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news