العدد : ١٥٣٤٧ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٧ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المنتدى الدولي الأول للأمن السيبراني بالرياض: نحو فضاء سيبرانيِّ أكثر أمنًا

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٧ فبراير ٢٠٢٠ - 02:00

على مدى يومين وخلال الفترة من 4 إلى 5 فبراير الجاري 2020 استضافت المملكة العربية السعودية المنتدى الدولي الأول للأمن السيبرانيِّ برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وذلك بمشاركة أكثر من 120 متحدِّثًا وحضور 3500 شخص من بينهم 1200 خبير يمثلون 63 دولة، فضلا عن عدد من الشركات العالمية الكبرى في مجال الأمن السيبراني والعديد من الهيئات داخل المملكة وخارجها، وبرأيي أن هذا المنتدى قد اكتسب أهمية بالغة من منطلقين الأول: على المستوى العالمي، إذ تزامن وإثارة الحديث مجددًا عن تنامي تهديدات الأمن السيبراني فعلى الرغم من الجهود التي بُذلت خلال السنوات الماضية بشأن الأمن السيبراني فإنها لا تزال متواضعة في ظل وجود توقعات بأن دول العالم سوف تشهد هجماتٍ منسقة خلال عام 2020 وخاصة تجاه الشركات الكبرى بهدف الوصول إلى المعلومات الخاصة بتلك الشركات، الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهود للتصدي لتلك المخاطر المتوقعة ومن ثَمَّ كان ذلك المنتدى فرصة مواتية لنقاشٍ جاد في هذا الشأن.

 والثاني: على المستوى الإقليمي والخليجي على نحو خاص، فإن المملكة العربية السعودية قد شهدت تحولا سريعًا نحو التعاملات الرقمية ويتوقع أن تصل إلى 80% خلال العام الحالي بما يتسق ورؤية المملكة 2030.

 ومع أهمية القضايا التي تناولتها جلسات المؤتمر ومنها واقع التهديدات السيبرانية في الأنظمة الصناعية وسبل مواجهتها، وأهمية حماية البنى التحتية الوطنية الحساسة، ومستقبل الأمن السيبراني وسبل الحد من الفجوة في القوى العاملة الحالية والمستقبلية وحماية الأطفال في شبكة الإنترنت، فضلاً عن أهمية الأمن السيبراني في مجالات الطاقة والرعاية الصحية والخدمات المالية والاتصالات والمدن الذكية وتمكين المرأة في الأمن السيبراني، فإن الأمر اللافت كانت تصريحات الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي الذي كان من بين المشاركين إذ أكد أهمية تحقيق الأمن السيبراني باعتباره خطَ الدفاع الأول مستقبلا؛ وذلك لتفوقه على الأسلحة التقليدية وأضاف قائلا: «إن الهجمات السيبرانية بإمكانها تدمير بلدٍ ما بشكلٍ كامل دون معرفة مرتكب ذلك الهجوم» تصريح ساركوزي لا يخلو من دلالات مهمة وخاصة أن الدول الأوروبية عمومًا وفرنسا على نحو خاص قد انتبهت لذلك الأمر فقد أكد وزير الدفاع الفرنسي أن الأنظمة الأمنية الفرنسية قد أحبطت 24 ألف هجومًا إلكترونيًا استهدف أجهزة الدفاع خلال عام 2016 الأمر الذي حدا بفرنسا إلى تأسيس قيادة عسكرية للدفاع الإلكتروني عام 2017. بالإضافة إلى ما يتضمنه قانون التخطيط العسكري للفترة من 2019 وحتى 2025 من خطة القوات المسلحة الفرنسية التي تستهدف تجنيد 1000 مقاتل إلكتروني إضافي بهدف تأسيس قوة عاملة في ذلك المجال مكونة من 4000 شخص خلال سبع سنوات بإجمالي نفقات تبلغ 1.6مليار يورو خلال تلك الفترة، بالإضافة إلى إعلان فلورانس بارلي وزيرة الجيوش الفرنسية إطلاق ما عُرف «بالشق الهجومي للعقيدة الإلكترونية العسكرية الفرنسية» في يناير عام 2019 مؤكدة أن «فرنسا تحتفظ بحق الرد الإلكتروني حال تعرضها لاعتداء في هذا الشأن سواء بمفردها أو ضمن تحالفات وفقًا لمعايير القانون الدولي العام».

ولعل مما عزز من أهمية المنتدى النتائج والتوصيات التي خلص إليها المشاركون يأتي في مقدمتها وأولها إعلان تبني الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع مبادرتين بشأن حماية الأطفال في العالم السيبراني وتمكين المرأة في الأمن السيبراني. وثانيها تعزيز الصمود والقدرات السيبرانية على المستوى الوطني وخاصة من خلال بناء القدرات في الأعمال التجارية، وثالثها: الحد من الجرائم السيبرانية وضرورة فهم طبيعتها، وخاصة توظيف شبكات الإنترنت للتحريض على التطرف والعنف والإرهاب، ورابعها: ضرورة خلق عالم سيبراني أكثر أمانًا من خلال مبادرات وآليات للتعاون الدولي والعمل المشترك على مستوى القطاعين العام والخاص، وخامسها: حتمية استثمار فرص النمو الاقتصادي والاجتماعي التي تترتب على التقدم التقني الذي تسارعت وتيرته بشكل ملحوظ.

 وبالعودة إلى الدلالات الأمنية لذلك الملتقى ففي تصوري أنه سيكون بداية لجهود فاعلة لإتمام الاستعداد لخوض الصراعات السيبرانية وخاصة في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها المنشآت الحيوية وعلى نحو خاص شركة أرامكو النفطية والتي أكد رئيسها التنفيذي على هامش المؤتمر أن التهديدات السيبرانية أضحت من المخاطر الرئيسية وتمثل أولوية قصوى لشركة أرامكو في الوقت الراهن، بالإضافة إلى إعلان مسؤولي شركة الاتصالات السعودية إحباط حوالي 400 مليون محاولة اتصال خبيث شهريًا وهي جميعها مؤشرات تقرع أجراس الإنذار بشأن مخاطر الإرهاب السيبراني.

ومع التسليم بأن المنتدى الدولي يعد الأول من نوعه لمناقشة الأمن السيبراني من خلال تبادل الخبرات في هذا الشأن، فإن نتائج هذا المؤتمر سوف تكون مثار اهتمام عديد من دول العالم وخاصة في ظل رئاسة المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين، وتبقى هناك عدة متطلبات لاستثمار نتائج أعمال ذلك المنتدى الأول، ومع أهمية إيجاد كوادر متخصصة في الأمن السيبراني تظل هناك حاجة ماسة إلى التعامل مع تلك القضية من منظور الأمن القومي، إذ لوحظ أن الدول الغربية بدأت في تضمين مخاطر الأمن السيبراني في عقيدتها العسكرية الأمر الذي تتطلب تأسيس جيوش إلكترونية وخاصة في ظل توظيف الجماعات الإرهابية للتكنولوجيا في الصراعات الراهنة، والثاني: أن الأمر لا يرتبط فقط بوجود خبرات لديها القدرة على التعامل مع الهجمات السيبرانية والتي بلا شك أضحت تستهدف المنشآت الحيوية التي تمثل عصب اقتصادات الدول لرخص كلفة تلك الهجمات وفداحة خسائرها بل بعمل نماذج محاكاة لأزمات متوقعة من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة وهي التي تمنح العاملين في ذلك المجال خبرات تراكمية للتعامل مع أي أزمة أمنية في مجال الأمن السيبراني وكيفية إدارتها والتعامل معها وخاصة في ظل تسارع وتيرة التحول الرقمي، والثالث: ضرورة الاستثمار في مجال الأمن السيبراني وخاصة الكليات ومراكز البحوث المعنية بتلك القضية وتبادل الخبرات مع الجهات المماثلة في العالم والتي قطعت شوطًا مهمًا في هذا المجال.

 ومجمل القول إن ذلك المنتدى قد ألقى الضوء على المشهد العالمي للأمن السيبراني والتحديات التي يواجهها ليس فقط على الصعيد الاقتصادي - برغم أهميته - إذ أشار مسؤول إحدى المؤسسات المالية الدولية إلى خسارتها حوالي 6 مليارات دولار في يوم واحد، بل أيضًا على الصعيد الأمني إذ إن تسارع وتيرة التطور التكنولوجي قد ألقى بظلاله على مفهوم الأمن الوطني ذاته وآليات تحقيقه، فضلا عن أهمية وجود إطار دولي يتم العمل بموجبه لمواجهة التهديدات السيبرانية التي أضحت هي المهدد الأول لأمن كل دول العالم وتتطلب جهودًا مشتركة للحد من مخاطرها. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news