العدد : ١٥٣٥٢ - السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٢ - السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

الملك عبدالعزيز وروزفلت .. الموقف التاريخي المشهود

قبل أيام، أقيم في واشنطن حفل بمناسبة مرور 75 عاما على اللقاء التاريخي بين الملك عبدالعزيز آل سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، وحضره وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان وسفيرة السعودية في أمريكا ريما بنت بندر وكبار الشخصيات السعودية والأمريكية ودينلو روزفلت حفيد الرئيس الأمريكي الأسبق.

هذه القمة التاريخية التي عقدت في 14 فبراير عام 1945 على ظهر البارجة الأمريكية كوينسي في البحيرات المرة في مصر، كانت من أكبر التطورات والأحداث في تاريخ المنطقة.

قبل سنوات كتبت تحليلا موسعا عن القمة وما جرى فيها، أستعيد اليوم بعضا مما جاء فيه.

ما جرى في القمة لم يكن معروفا في ذلك الوقت، ولم يعرف الا بعد عقدها بعشر سنوات عندما اصدر الكولونيل ويليام ادي، الذي تولى الترجمة كتيبا بعنوان «عندما التقى روزفلت بابن سعود» وهو حتى اليوم المرجع الاساسي لهذا اللقاء.

 القمة أسست للشراكة الاستراتيجية بين السعودية وأمريكا وناقشت قضايا المنطقة في ذلك الوقت.

غير اننا سنكتفي باستعادة ما جرى حول قضية واحدة هي قضية فلسطين، ونتأمل الموقف التاريخي المشهود الذي اتخذه الملك عبدالعزيز.

كانت قضية فلسطين هي أكبر قضية مشتعلة في المنطقة العربية مع تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين وقرب انتهاء الانتداب البريطاني، والجدل الواسع حول مستقبل فلسطين. 

روزفلت اثار الموضوع مباشرة وأشار إلى ان الانتداب البريطاني في فلسطين سوف ينتهي بعد عام وأن مستقبل فلسطين برمته موضع نقاش الان، وتحدث عن معاناة اليهود. ثم سأل الملك: ما هي نصيحة جلالتكم فيما يتعلق بمشكلة اللاجئين اليهود الذين طردوا من بيوتهم في أوروبا؟

 أجاب الملك: في رأيي ان اليهود يجب أن يعودوا كي يعيشوا في البلاد التي طردوا منها. اليهود الذين تدمرت منازلهم ولم يعد بمقدورهم ان يعودوا إلى البلاد التي كانوا يقيمون فيها يجب تمكينهم من العيش في دول المحور التي الحقت بهم هذا الظلم.

علق روزفلت قائلا: لكن اليهود لا يريدون العودة إلى ألمانيا، ويعتقدون انهم لن يكونوا آمنين هناك. وبالإضافة إلى هذا، فإن لديهم «رغبة عاطفية» للذهاب إلى فلسطين.

رد الملك بحسم: بالتأكيد سوف ينتصر الحلفاء في الحرب وسوف ينزلون هزيمة ساحقة بالنازيين، وإلى الدرجة التي لن يشكلوا بعدها أي تهديد. وإن لم يحدث هذا، فما معنى كل هذه الحرب أصلا اذن؟ 

وقال الملك: دعوا العدو الظالم هو الذي يدفع الثمن. المجرمون هم الذين يجب أن يدفعوا الثمن وليس الضحايا الابرياء. وأضاف: ما هو دخل العرب في الظلم الذي تعرض له اليهود في أوروبا؟ وما هو ذنب العرب كي يدفعوا هم ثمن ما فعله الأوروبيون باليهود؟ الالمان المسيحيون هم الذين سرقوا بيوتهم. دعوهم يدفعوا الثمن. 

وقال الملك: العرب واليهود لا يمكن ان يتعاونوا لا في فلسطين ولا في أي بلد آخر. وتحدث الملك مطولا عن التهديد الذي تمثله الهجرة اليهودية على الوجود العربي، وعن الازمة الطاحنة التي تترتب على هذه الهجرة، وعلى شراء اليهود لأراضي العرب.

 ثم قال الملك لروزفلت مقولته الشهيرة: ان العرب يفضلون الموت على ان يتخلوا عن أراضيهم لليهود.

الذين وثقوا ما جرى في القمة يقولون ان روزفلت لم يستوعب في البداية كل هذا التشدد، أو ما اعتبره تشددا، من جانب الملك ورفضه القاطع الحاسم الذي لا يقبل النقاش في رفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وظل روزفلت أكثر من مرة يعيد طرح القضية المرة تلو المرة على امل ان يحصل من الملك على موقف مغاير. الا انه في كل مرة كان الملك يرد عليه بنفس المنطق وبنفس الرفض الحاسم. 

حينئذ اثار روزفلت فكرة اخرى وطلب رأي الملك فيها. قال انه سمع هذه الفكرة من تشرشل، وتقضي بأن يتم توطين اليهود في ليبيا على اعتبار انها دولة اكبر من فلسطين وفي نفس الوقت فإن عدد سكانها قليلون. 

ومرة اخرى كان رفض الملك فوريا وقاطعا. قال ان طرح هذه الفكرة هو ظلم فادح للمسلمين في ليبيا وفي شمال إفريقيا. 

بعد ذلك، قال الملك لروزفلت ما يلي: ان آمال العرب مبنية على كلمة شرف من الحلفاء، ومبنية خصوصا على ما هو معروف عن أمريكا من حب للعدل، وعلى توقعاتنا بأن الولايات المتحدة سوف تدعمنا وتدعم قضيتنا. 

ردا على ذلك، قدم روزفلت للملك عبدالعزيز التعهد التاريخي الشهير. تعهد للملك بأنه لن يفعل أي شيء ولن يقدم على أي خطوة لمساعدة اليهود ضد العرب، ولن يقدم على أي خطوة عدائية ضد العرب. وتعهد بأن حكومته لن تدخل أي تغيير على سياستها في قضية فلسطين من دون التشاور المسبق مع العرب.

 هذا التعهد وثقه روزفلت بعد ذلك كتابة في الخطاب الشهير الذي بعث به إلى الملك عبدالعزيز في 15 أبريل من نفس العام.

بعد عودته إلى أمريكا، تحدث روزفلت في الكونجرس الأمريكي، وقال: بالنسبة إلى المشكلة العربية، لقد تعلمت من ابن سعود في خمس دقائق اكثر مما تعلمته من عشرات الخطابات والرسائل والخطب. 

وشاءت الاقدار ان يتوفى روزفلت بعد ذلك بأسبوع. وتولى الحكم في أمريكا بعده هاري ترومان الذي نسف هذا التعهد، وانقلبت السياسة الأمريكية تجاه قضية فلسطين مائة وثمانين درجة.

 في الأسبوع الأول من أكتوبر 1945، عقد ترومان اجتماعا حضره المبعوثون الأمريكيون في مصر ولبنان وسوريا والسعودية. في الاجتماع ذكروه بتعهد روزفلت للملك عبدالعزيز. وبعد نقاش قصير، قال ترومان:

«آسف ايها السادة. لكن علي ان اتجاوب مع مئات الآلاف الذين يتوقون إلى نجاح الصهيونية. ليس لدي مئات الآلاف من العرب من الناخبين». 

 ثم جرى ما نعرفه جميعا بعد ذلك، حين ايدت أمريكا تقسيم فلسطين، ثم اعترفت بدولة إسرائيل، حتى انتهى بها المطاف إلى مواقفها المعروفة اليوم.

هذا هو الموقف التاريخي المشهود لزعيم عربي كبير هو الملك عبدالعزيز يستحق أن نستعيده باستمرار.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news