العدد : ١٥٣٤٩ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٩ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإنسان.. والأسئلة المصيرية!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٦ فبراير ٢٠٢٠ - 02:00

من رحمة الله تعالى بالعباد انه سبحانه بَيَّن لهم قبل أن يحاسبهم ويعاقبهم سبيل الرشد والغي، فقال تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة/256)، وقال سبحانه أيضًا «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..» (الكهف/29)، ولقد ورد في السنة المشرفة من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: [ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به]

(الحديث صحيح/الألباني/صحيح الجامع).

إذًا، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن المحاسبة على الأعمال تقتضي العلم بما يجوز وبما لا يجوز منها، وصدق الله العظيم: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (الإسراء/15)، وعلى المسلم أن يستيقن بأنه لن يعاقب إلا على فعل أتاه باختياره الحر الخالي من الإجبار والإكراه، يقول تعالى: «..إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» (النحل/106)

حتى في العقيدة، وهي قمة القضايا التي لا مجال للتهاون فيها أجاز الله تعالى للمسلم المكره أن ينطق بكلمة الكفر ليحافظ على حياته ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، وهذا ما حصل للصحابي عَمَّار بن ياسر (رضي الله عنه) حين عذبه الكفار وأوشك على الموت نطق بكلمة الكفر، فحزن أشد الحزن على ذلك، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وماذا عن قلبك؟، قال: مطمئن بالإيمان! قال له الرسول (صلى الله عليه وسلم): [إن عادوا فعد!!] أي: إن عادوا إلى تعذيبك عذابًا شديدا لا تحتمله إلا بكلمة الكفر فقلها لتنجو من عذابهم!!.

إذًا، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحذرنا بأننا سوف نسأل يوم القيامة أسئلة مصيرية أربعة تحدد مصيرنا إلى الجنة أم إلى النار، وعلينا أن نكون مستعدين لها، وأن نحذر من أن نفاجأ بها في وقت لا يفيد الندم، قال صلى الله عليه وسلم: [لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه] (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح عن أبي برزة فضله ابن عبيد الأسلمي رضي الله عنه).

هذه أسئلة مصيرية سوف يسأل عنها العبد يوم القيامة، وسواء كان هذا العبد مسلمًا أو كان غير مسلم، ونحن هنا يعنينا العبد المسلم الذي نحب له ما نحب لأنفسنا من النجاة من النار والخلود في الجنة، والتمتع بنعيمها الدائم. الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يحذرنا ونحن في الدنيا: دار العمل والابتلاء من ان يسبقنا عمرنا إلى الدار الآخرة، فتزل الأقدام بعد ثباتها، وتزيغ الأبصار بعد جلائها.. علينا أن نحذر أشد الحذر من أن يأتينا اليقين ونحن أتباع للشيطان، عبيد للنفس الأمَّارة بالسوء، فتوردنا موارد الهلاك، وها هو الشيطان يتبرأ منا، ويعلن ذلك في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، يقول سبحانه وتعالى: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» (إبراهيم/22).

هذا اعتراف صريح وواضح في الدنيا، وقبل أن تطوى الصحف ويقال للعبد: «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» (الإسراء/14).

في ذلك اليوم: «يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» (الحج/2).

في ذلك اليوم سوف يصرخ المسلم ويقول: «..يا ليتني قدمت لحياتي» (الفجر/24)، ويقول من أسرف على نفسه، وتمنى على الله تعالى الأماني دون ان يأخذ بأسبابها، وسوف يقال لهذا المسرف على نفسه ولأمثاله: «إنَّا أنذرناكم عذابًا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا» (النبأ/40).

يا لرحمة الله تعالى ولطفه بعباده حتى الشاردين عن منهجه، فهو سبحانه ينذرهم قبل أن ينزل بهم عذابه، قال لهم وقوله الحق إن عذابه قريب مهما طالت أعمارهم لأنهم لا يعلمون متى يأتيهم الموت، لذا على المسلم أن يكون مستعدًا لما بعد الموت ولقد سبق التحذير منه، وصدق الله العظيم: «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»  (الحجر/99)، واليقين هنا هو الموت.

والآن نعود مرة أخرى إلى الأسئلة الإجبارية التي لن يجد الإنسان يوم القيامة مفرًا من الإجابة عليها، وهذه الإجابة تحدد مصيره الذي استحقه بعمله الصالح أو الطالح.

السؤال الأول سوف يكون عن عمرك أيها الإنسان فيم أفنيته، وهل تسربت سنوات عمرك من بين يديك دون أن تستثمرها فيما يعود عليك بالنفع في الدنيا والآخرة؟

هل فزت في السباق الذي نظمه لك الحق سبحانه وتعالى حين دعاك إليه في قوله سبحانه: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين» (آل عمران/133)، لقد يسر الحق سبحانه أمر هذه المسابقة حين دلك على التمارين الإيمانية التي تؤهلك للمشاركة في هذه المسابقة والفوز بالجوائز الكبيرة، وهذه التمارين هي: «الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» (آل عمران/134)، فاحرص أيها الإنسان على أن تخرج من هذا السباق رابحًا موفقًا، ولا تجعل سنوات عمرك تسبقك إلى الآخرة وهي خالية من الأعمال الصالحة التي تحقق لك الفوز والنجاة يوم القيامة.

السؤال الثاني علمك الذي أخذته من منابع كثيرة، وصرت به مقدمًا على أقرانك، وأخذت تفاخر به بين الناس، وربما تعاليت به على الناس ماذا فعلت به هل خدمت به دينك وأمتك؟ وهل ازددت به وعيًا وإدراكًا لما ينبغي عليك تجاه خالقك سبحانه، وتجاه أهلك وإخوانك؟

أما السؤال الثالث، فهو عن مالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته، فلا يكفي أن يكون مصدر مالك حلال، بل لا بد وأن يكون إنفاقك هذا المال في الأوجه المشروعة.. إنه سؤالان عن المال، عن مصدره والجهات التي تنفقه فيها لأن الله تعالى طيب ولا يقبل إلا الطيب من الكسب والنفقة، ولا عبرة بالكم في الإسلام، بل بالكيف لأن درهما واحدا سبق مائة ألف درهم!، وشربة ماء لكلب عقور غفر الله تعالى بها لامرأة بغي! بينما دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض!.

وأما السؤال الرابع فهو عن جسمك، وهو وديعة لديك فيم أبليته، وهل استفدت من أيام شبابك وفتوتك أم ضيعت كل ذلك في اللهو الذي قد يكون بريئًا في أحيان، وغير بريء في أحيان كثيرة. إنها أسئلة مصيرية قد يجيب عليها العبد في حياته الدنيا وقد لا يجيب عليها، بل لا يلقي إليها بالاً، لكنه في الآخرة مجبر على الإجابة عنها، وهي تحدد مصيره إلى جنة أم إلى نار!!. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news