العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

نعاير غيرنا والعيب فينا (2)

يقول الأطباء إن التشخيص السليم للمرض هو نصف «العلاج»، وبدلا من ان نرمي غيرنا بدائنا وننسل علينا أن نعترف بأننا نعاني من علل اجتماعية كثيرة، من بينها التمييز بين الناس على أساس العرق واللون والطبقة الاجتماعية والدين والطائفة، وأخطر أنواع التمييز في مجتمعاتنا هي تلك الموجهة نحو المرأة، فالمرأة العربية مظلومة في مجال التعليم والتوظيف وحقها في تقرير المصير عند الزواج مصادر، ولو تقدم شاب لخطبة بنت واعترض رجال العائلة عليه ولكن البنت قالت إنها ترغب في الاقتران به لأنها سمعت عنه كل ما هو طيب، لطلب فحول العائلة منهما أن «تنطم»، أما لو قالت إنها تحبه، فإنها تتعرض للعنف اللفظي وربما الجسماني القاسي.

ولا يقتصر التمييز على الأمور التي أوردتها أعلاه، فقد يكون أساسه العمر، فجميع إعلانات الوظائف التي نراها في الصحف العربية تحدد العمر «الأقصى» لمن يرغب في شغل الوظيفة: «على ألا يتجاوز عمر مقدم الطلب 35/40 عاما».. لن تجد قط إعلانا يقول إن عمر مقدم الطلب ينبغي ان يكون 50 سنة أو أكثر، فهل أنت -يا صاحب الإعلان – تريد موظفا أم حصانا يجر الشركة أو المؤسسة؟ في بريطانيا وفرنسا رفعوا سن التقاعد إلى 65 سنة، ليس رأفة بالعواجيز ولكن إدراكا لحقيقة أن الإنسان ينضج مهنيا وسلوكيا ببلوغ الخمسين، وتفيد دراسات محكمة بأن الإنسان في سن الستين يكون في أوج قدراته على العطاء، ومع إدراكي ضرورة إحالة الإنسان إلى التقاعد في سن معينة لفتح الطريق أمام الأجيال الشابة فإن هناك من المهن من لا يقدر على أدائها سوى المتقدمين في العمر وبالتالي في الخبرة كثيرا.

قبل سنوات قلائل أصدرت حكومة الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير واحدا من أعجب فرماناتها: الأستاذ الجامعي يروح بيته متى ما بلغ الستين!! وعندما كنت طالبا في جامعة الخرطوم كانت تدرسنا الفن الروائي الانجليزي، مس كوك الحبوبة، وكان عمرها نحو ثمانين سنة قضت أربعين منها في تلك الجامعة، والشاهد هو أن تحديد سن معينة لشغل وظيفة معينة ضرب من التمييز السلبي.. ليس فقط بحق من أعمارهم أكبر من ذلك، بل أيضا بحق الصغار، وحقيقة الأمر أن ملايين الشبان في العالم العربي يعانون من البطالة لأن أصحاب العمل يبررون عدم توظيفهم بافتقارهم إلى الخبرة، متناسين حقيقة أن كل بني البشر يكونون في مرحلة ما بلا خبرة عملية في الميدان والمجال الذي يختارونه، وكما أن الشخص البالغ من العمر 35 سنة ليس بالضرورة أفضل لياقة بدنية وذهنية من «أبو خمسين سنة»، فإن الشاب حديث التخرج من الجامعة أو المدرسة الثانوية ليس بالضرورة عاجزا عن استيعاب مهام وظيفية لأول مرة في حياته.

ثم انظر إلى قنواتنا التلفزيونية لترى التمييز في أقبح تجلياته، العنصر الأساسي لاختيار المذيعات هو الشكل والمظهر، أتحداك أن تدلني على مذيعة شكلها «عادي» ولا أقول «قبيحة»، فليس مهمًّا عندنا أن يكون رأس المذيعة «مليان» أي أن تكون ذات ثقافة واسعة وحس إعلامي ناضج، بل المهم أن تكون حلوة ولو جمعت بين الحلاوة وسعة الثقافة فهذا «خير وبركة»، ومن ثم تجد فتيات الفياجرا في الفضائيات العربية التجارية يحاولن استدراج المشاهدين لبرامجهن باستخدام ما قل ودل من الملابس! ففي ظل انعدام القدرات العقلية والذهنية يلجأن إلى مفاتنهن كسلاح للإثارة، ومن ثم «الجذب»- وكثيرون منا رأوا عينات من الرجال يجلسون وأفواههم مفتوحة والريالة (اللعاب) يسيل منها ومذيعة حسناء تقرأ خبرا عن تفجير في بغداد أدى إلى مصرع 60 طفلا وصاحبنا يبتسم لأنه يسمع بعينيه!! وحتى بين المذيعين الرجال أتحداك أن تجد واحدا يشبه المرحوم شعبان عبدالرحيم؟ (قد تهتف في شماتة: ها أنت يا أبو الجعافر تمارس التمييز والاستعلاء الشكلي المظهري بحق شعبان شعبولا، ولكن «حيلك»: أولا أنا لم أزعم أنني أكثر وسامة من شعبولا، والأمر الآخر هو أن شعبولا يحسب نفسه ترافولتا زمانه ومن ثم يرتدي الهلاهيل والشناشيل فقررت أن ألزمه حدوده!).. استبعاد المرأة المثقفة الرصينة من الشاشات التلفزيونية «تمييز سلبي»، وإحالة أستاذ جامعي أو قاض أو طبيب إلى الأرشيف البشري (التقاعد) لأنه/لأنها في الستين جهالة جهلاء وجريمة في حق تلك المهن والمستفيدين منها.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news