العدد : ١٥٣٤٩ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٩ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مؤتمر مهم في سنغافورة

بقلم: د. جاسم بوعلاي

السبت ١٥ فبراير ٢٠٢٠ - 02:00

المؤتمرات متعددة الأشكال والغايات ونجاحها أو فشلها يعتمد على درجة الإعداد لها والنية بالنسبة إلى من أعدها. ومؤتمرنا هذا يسأل سؤالاً محدداً، الشرق الأوسط يمر بمرحلة تحول في الوقت الحاضر فهل هناك دروس تستقى من شرق آسيا «بمعنى هل النجاح الاقتصادي الذي حققته دول شرق آسيا يمكن أن يفيد التحول الاقتصادي الحاصل الآن في منطقة الشرق الأوسط».. المقصود هنا أن دول شرق آسيا المعروفة بالنمور (إندونيسيا، سنغافورة، ماليزيا، تايوان، هونج كونج، وكوريا الجنوبية) التي مرت بمرحلة استنساخ كل شيء صناعي من الغرب في المرحلة الأولى من نموها ثم بعد ذلك طورته بحسب ظروفها المحلية ونافست به ذلك الغرب نفسها من ناحية الجودة ومناسبة الأسعار، هل يمكن لدول منطقتنا أن تستعير بعضا مما حققته النمور الآسيوية.

من هنا تأتي أهمية المؤتمر على اعتبار أن هناك نقطة انطلاق مهمة تجمع بين المنطقتين الشرق الأوسط وشرق آسيا، فهما على علاقة تاريخية بالغرب، ولما كان مصدر الإلهام واحدا فهو يسهل عملية الاتصال والتعاون بين المنطقتين المذكورتين. هنا لا بد من أن تجرى عملية مقارنة لظروف كل منطقة على حدة قبل النظر في إمكانية وجود دروس تنموية مستقاة من منطقة شرق آسيا لصالح منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما أثير في المؤتمر سواء خلال الخطب العامة أو مجموعات البحث التي تناولت المواضيع الفرعية لعنوان المؤتمر.

مادام تركيز المؤتمر جرى في الأساس على منطقة الشرق الأوسط فقد جرى استعراض ما حققته دول النمور من نجاح اقتصادي، ثم تم تناول إمكانية استفادة دول منطقتنا من هذا النجاح. لذا، من خلال عملية المقارنة جرى استعراض المعطيات والظروف في منطقة الشرق الأوسط، حيث إنها تتعرض منذ فترة ليست بالقصيرة لعدم استقرار أمني وعسكري وسياسي ناجم من عدد من الصراعات المحلية والإقليمية وهذا يشكل عاملاً سلبياً في عدم توافر البيئة المناسبة للتنمية الاقتصادية، كما أن المنطقة في معظمها تعتمد على منتوج رئيسي واحد هو النفط والغاز مع صناعاته التحويلية في بيئة جغرافية قاسية، ما يجعل التنوع الاقتصادي صعب تحقيقه. من ناحية أخرى فالظروف الاجتماعية في منطقتنا تختلف عن تلك الموجودة في شرق آسيا، وهذا عنصر مهم لا يجب فصله عن التنمية الاقتصادية، ثم إن هناك عاملا مهما بالنسبة إلى الأخيرة، وهو أن معظم العمالة اللازمة للتنمية وخصوصا في الدول الخليجية تأتي من الخارج، وهذا لا يشكل مشكلة بالنسبة إلى العمالة الدونية، أما ذات الخبرة فستصبح شحيحة مع مرور الوقت؛ لأن دول المنشأ تستدعيها حاليا لتنميتها هي، وهذا ما تمت الإشارة إليه في المؤتمر مع تأكيد وزير التعليم العالي في الإمارات العربية المتحدة الذي حضر المؤتمر أن وزارته تولي الموضوع أهمية لغرض معالجة النقص المحتمل في العمالة المدربة.

مع كل هذه الاعتبارات، هل هناك من دروس شرق آسيوية يمكن الاستفادة منها للتحول الشرق الأوسطي؟ 

لا شك أن كل تجربة اقتصادية ناجحة في أي مكان من العالم، كما حصل في شرق آسيا، لها مجال استفادة وتطبيق في أماكن غير آسيوية شريطة تطبيع التجربة الناجحة في البيئة والمكان الآخر الذي ستطبق فيه بحسب ظروف المجتمع هناك مع إجراء التطبيق على أسس صحيحة ستحدد نجاح أو فشل ذلك التطبيق، أما بالنسبة إلى موضوع المؤتمر فطالما أن المنطقتين تنظران إلى الغرب على أنه هو الملاذ فحسب، فلن يكون هناك فرصة للاستعارة والاستفادة من التجربة الشرق آسيوية، صحيح أن هناك اتصالات فردية تجارية بين مواطني المنطقتين، لكن إن لم تثبت تلك الاتصالات بتشجيع وتقنين رسمي من المسؤولين في الحكومات وعلى صعيد واسع، فلن يكون هناك مجال لمحاولات الاستفادة من التقدم الاقتصادي الشرق آسيوي.

عقد المؤتمر في حد ذاته هو نوع من التنبيه إلى ضرورة الالتفات شرقاً نحو النمور للاستفادة من تجاربها الاقتصادية، وفي هذه العملية الالتفاتية توفير هائل في الوقت والإمكانيات.

من المعروف أن لكل مشروع يراد له التطبيق ثلاث مراحل: الأولى تخطيطية، والثانية تنفيذية، والثالثة تختص بالمتابعة، نخطط المشروع وننفذه ثم نتابع نتائج ذلك التنفيذ أملا في تحقيق الفائدة المرجوة.

من الملاحظ أنه في غالبية الدول النامية أن المرحلة الثالثة الخاصة بالمتابعة لا تنال العناية المرجوة منها فنرى جهازين متجاورين في مصلحة أو مؤسسة عامة كانت أم خاصة ينفذان نفس الفكرة ولو بطرق مختلفة ويهدران بذلك الوقت والدراهم، وهو الشيء الذي لن يحصل لو تمت متابعة التنفيذ بدقة، وحجة الناس في هذا أنه لا داعي للمتابعة لأنها تكلف المال والجهد ونحن بهذا نفكر بكلفة المتابعة بعد التنفيذ من دون أن نفكر في الكلفة الأعلى، نظراً إلى تكرار ذلك التنفيذ في عدة أجهزة في نفس الوقت، علما بأن هذا الهدر ينطبق على الأفراد كما بين الدول أيضا. وهذا يجرنا إلى الحديث عن التجربة الاقتصادية الشرق أوسطية، فبدلا من التبعية المطلقة للغرب يمكن الاستفادة من شرق آسيا التي تبعت وتتبع الغرب لكنها طورت تجربة الأخير، ووفرت لنا وللذي يريد نتائج تجربة اقتصادية مطورة جاهزة للاستعمال، فبدلا من أن نمر بالتجربة نفسها حري بنا أن ننظر إلى شرق آسيا لتوفير المال والوقت مع تطويع للنقل بحسب ظروفنا المحلية.

للعلم،فقد عقد المؤتمر تمويلاً وإشرافاً ضمن المؤتمرات السنوية لمعهد الشرق الأوسط التابع للجامعة الوطنية في سنغافورة، ودعي إليه وحضره كاتب هذه السطور.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news