العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

المأزق التركي في سوريا

التطورات الأخيرة والخطيرة التي يشهدها الشمال والشمال الغربي السوري وخاصة المعارك التي تدور في محافظة إدلب السورية أسقطت الكثير من الأوراق عن النوايا التركية غير المعلنة وعززت من الشكوك التي تحوم حول أهداف استراتيجية بعيدة المدى وضعتها أنقرة لصالح مشروع خطير يمس الوحدة الجغرافية والديمغرافية السورية، فالتقارير التي تأتي من الكثير من المناطق السورية المحاذية للحدود التركية كلها تتحدث عن مشروع تركي خطير يجري نفيذه هناك ويستهدف تغيير التركيبة الديمغرافية في هذه المناطق عبر إدخال العملة التركية (الليرة ) كورقة نقد في الكثير من مدن وقرى محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة الجماعات المدعومة من تركيا، وعلى رأسها «جبهة النصرة» التي تسيطر فعليا وعمليا على هذه المحافظة.

الإنجازات التي حققتها القوات الحكومية السورية في حربها ضد هذه الجماعات الإرهابية تساهم في تعطيل المشروع التركي الاستراتيجي في هذا الجزء من الأراضي السورية، خاصة تلك الإنجازات المتعلقة بالوضع في محافظة إدلب التي تعتبر آخر معاقل الجماعات المرتبطة بأنقرة والتي تعتبرها تركيا بمثابة مواطئ القدم التي يتكئ عليها مشروعها في الشمال السوري، وتحديدا في هذه المحافظة، وهذا ما يفسر الانزعاج التركي الشديد ودخول قواتها كطرف على خط المواجهة المباشرة مع الجيش السوري بعد هذه الإنجازات التي تحققت لصالح الدولة السورية.

فتركيا التي تدعي «محاربة الإرهاب» اتخذت من مقتل عدد من جنودها في محافظة إدلب السورية ذريعة للأعمال العسكرية الواسعة التي تستهدف من خلالها القوات النظامية السورية، وهي أعمال تصب بالدرجة الأولى في صالح الجماعات المقاتلة، بما فيها بطبيعة الحال، الإرهابية وتحديدا جبهة النصرة التي تصنفها تركيا ودول العالم الأخرى على أنها إرهابية لكن هذه الجماعة في مأمن من نيران القوات التركية، فهذه الحجة ساقطة من الناحية القانونية لأن وجود القوات التركية فوق الأراضي السورية هو وجود غير قانوني ولا يختلف عن كونها قوة احتلال، ولا علاقة لهذا الوجود باتفاق أضنة الموقع بين الحكومتين التركية والسورية عام 1998.

هناك عوامل موضوعية كثيرة شجعت تركيا على المضي في تنفيذ مشروعها الاستراتيجي الخطير في سوريا، فالحديث عن احترام وحدة الأراضي السورية لا يعدو كونه مجرد شعار للتغطية على هذا المشروع، فتركيا تستغل الخلل في ميزان القوة بينها وبين سوريا، كما تفعل «إسرائيل» تماما عندما تتمادى في تنفيذ اعتداءاتها المتكررة ضد سوريا، كما أن الأوضاع الداخلية السورية هي الأخرى تخدم المشروع التركي حيث نظام الرئيس بشار الأسد يواجه حربا داخلية مضى عليها أكثر من تسع سنوات تسببت كثيرا في إضعاف قدرات الجيش السوري، أضف إلى ذلك أن سوريا تخضع لحصار خانق من جانب حلفاء تركيا.

لا يمكن لتركيا، أيا تكن الحجج التي تتذرع بها، أن تنكر الدور السلبي الخطير الذي لعبته في الأزمة السورية منذ اليوم الأول لتفجر الاحتجاجات الداخلية ضد النظام السوري، فالحدود التركية السورية كانت بمثابة الشريان الرئيسي لتدفق الجماعات الإرهابية من مختلف دول العالم، ولا يمكن لتركيا أن تدعي عدم معرفتها أو «قدرتها» على ضبط حدودها، ذلك أن التدفق إلى الداخل السوري كان جماعات، وأفرادا وعتادا عسكريا، من مختلف الأوزان، بل إن تركيا نصبت نفسها طرفا في النزاع الداخلي السوري وأخذت تملي مطالب وشروطا وتعطي نفسها حق رسم الخريطة الديمغرافية لبعض المناطق السكانية السورية، خاصة تلك التي توجد فيها الأقلية الكردية السورية. 

الأمن الوطني التركي الذي تتخذ منه تركيا ذريعة، إن لم يكن جسرا لعبور مشروعها الاستراتيجي في سوريا، هذا الأمن لم يكن مهددا من الجانب السوري قبل تعرض سوريا لما تتعرض له الآن من حالة تدمير متواصل، لتركيا وغيرها دور فيها وفي إيصالها إلى هذا الوضع الخطير، وبالتالي فإن استمرار الأوضاع في سوريا وتدهورها إلى الأخطر، وهذا هو المرجح، لن يؤثر فقط على أمن سوريا ووحدتها، بل على الأمن التركي أيضا، وبالتالي على القيادة التركية أن تعي أن الأمن يجب أن يعم المنطقة والعكس هو الصحيح.

فالتصعيد العسكري التركي ضد القوات السورية التي تحارب فوق أراضيها وليست قوات أجنبية دخيلة، كما هو وضع القوات التركية، هذا التصعيد لن يخدم تركيا على المدى البعيد، بل على العكس من ذلك، فإن إضعاف القوات السورية واستهدافها إنما يخدم الجماعات الإرهابية التي تدعي تركيا محاربتها، هذا من جانب ومن الجانب الآخر فإن سياسة القوة العسكرية التي تعتمد عليها تركيا في تعاملها مع الأوضاع في سوريا إنما تعكس عجزا سياسيا عن فهم الواقع والتطورات التي تحدث فوق الأرض السورية حاليا، وهذا من شأنه أن يشكل مأزقا للنظام التركي حاضرا ومستقبلا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news