العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

وحدة الأمة مصدر قوتها (2)

الجمعة ١٤ فبراير ٢٠٢٠ - 10:43

بقلم: د. علي أبو هاشم

حينما نقرأ آيات القرآن الكريم، ونستمع إلى ندائه وتوجيهاته للأمة الإسلامية جمعاء، نرى بوضوح وجلاء حرص القرآن على استخدام أسلوب الجماعة في خطاب عموم الأمة، وذلك في التكاليف الشرعية، من العبادات والحدود والكفارات، والأوامر والنواهي، وفي ذلك دلالة واضحة على ضرورة أن تُوحد الأمة صفها وكلمتها، وكيف لا؟ وقد خاطبها المولى سبحانه بصيغة العموم وصفة الجماعة، فمثلا عند التكليف بالفرائض التي فرضها الله علينا، يكون الأمر فيها بصيغة العموم، والنداء فيها لجماعة المؤمنين، فمثلا عند الحديث عن فريضة الصيام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة. يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلك تتقون». سورة البقرة: 184، وعند الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهما الركنان الثاني والثالث من أركان الإسلام الخمسة. يقول تعالى: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين». سورة البقرة: 43، ويقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين». سورة البقرة: 153، وهكذا عند الحديث عن مناسك الحج وأعماله. فيقول تعالى: «وأتموا الحج والعمرة لله فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله». سورة البقرة: 196، وهكذا في كل التكاليف الشرعية، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن الذين يرتكبون الكبائر مثل السرقة والزنا والقتل، نلاحظ أن الخبر يكون بصيغة الإفراد، لأن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله، وانتهاك حدوده أمر شاذ عن جماعة المؤمنين، وفعل مخالف لأوامر رب العالمين، فلذلك أفرد مرتكبه عن الجماعة حتى يُقام عليه الحد ويتوب إلى الله تعالى، فحينما يتحدث عن حد السرقة يقول تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم». المائدة: 38، وحينما يتحدث عن جريمة الزنا يقول تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة». النور:2، ولهذا فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بانتفاء صفة الإيمان عند ارتكاب مثل هذه الكبائر وكأنه خرج عن جماعة المؤمنين، لذلك ورد الخبر عنه بصيغة الإفراد لأنه خالف جماعة المؤمنين، وشذ عن طريق الإيمان. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ». أي: تنتفي عنه صفة الإيمان وهو على هذه الحالات المخالفة لشرع الله تعالى. وعند الحديث عن جريمة القتل وهي من أبشع الجرائم وأشدها خطرا على الفرد والجماعة، إذ تؤدي إلى تفريق الأمة والعداوة، نرى أن الله تعالى فصّل في حده وكفارته، ليبقى للمجتمع تماسكه وترابطه. يقول تعالى: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا». النساء: 92-93، يقول ابن كثير في تفسيره للآية: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة. ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه. وذلك حفاظا على ترابط المجتمع وتماسكه، حتى لا تنتشر الفوضى، وتعمّ البلوى. إن الهدف من تشريع الإسلام الشرائع، وبيان الحدود والكفارات هو الحفاظ على تماسك بنيان المجتمع، وترابط الأمة واجتماع كلمتها ووحدة صفها، وإن منصب الإمام ومن ينوب عنه كالقاضي ومن يعينه الإمام لذلك هو المنوط به إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وحث الناس على الالتزام بشرع الله، حتى ينضبط المجتمع بأسره، فلا يحل لأحد مهما كان أن يقوم من تلقاء نفسه بتنفيذ الحدود بعيدا عن أمر الإمام ومن ينوب عنه تحت أي ذريعة، والشاهد مما سبق أن حديث القرآن الكريم وتوجيهاته وأوامره في إقامة الفرائض الدينية إنما جاء بصيغة العموم، وفيه دلالة على أن من أهداف العبادات في الإسلام توحيد صف الأمة وجمع كلمتها، فإن هي أقامت الجماعة فيما أمرها الله به من العبادات كان ذلك تعليما وتربية وتدريبا على الانخراط في جماعة المسلمين، حتى تكون الأمة كالبنيان المرصوص وكالجسد الواحد، وأما إن اختلفت في إقامة شعائر الدين وتفرقت فيما بينها، فكيف تجتمع كلمتها، وتتحقق وحدتها. يقول تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ». الشورى :13، يقول ابن كثير: إن كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه، وكان شيعا، أي فرقًا كأهل الملل والنحل، وهي الأهواء والضلالات، فالله قد بَرَّأ رسوله مما هم فيه. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news