العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

موقف الإسلام من المرح والترفيه

الجمعة ١٤ فبراير ٢٠٢٠ - 10:42

بقلم: د. رائد أبو رية

إن النفس البشرية تحتاج من وقت إلى آخر إلى شيء من التغيير والتنويع، فقد يصيبها الملل من وقت إلى آخر. وهنا لا بد أن نمدها بمادة من الترويح والفكاهة المباحة التي تعيد إليها حيويتها من جديد.

وقد عرف النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى ووعاه ثم وعاه عنه صحابته الكرام حين كان يُطُلب منهم أن يكرروا الموعظة على الناس فيرفضون مخافة أن تمل النفوس وتسأم من سماع الموعظة.

 فعَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» مسند أحمد، من حديث عائشة، برقم (25166). 

وعَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ، قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «وَمَا ذَاكَ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ «صحيح مسلم، رقم (2750).

وهنا وعى الصحابة عن رسول الله هذا المبدأ، وكان لا بد من إيجاد فرص بين الوقت والآخر للترويح عن النفس والتخفيف عنها وسط مشقة الجهاد، وجهد العبادة، وإرهاق الحياة؛ لأن الإسلام دين واقعي ينظر إلى الإنسان على أنه بشر ولا يعتبره ملاكا.

فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا قَالَ تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ حَسْبُكِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاذْهَبِي» صحيح البخاري، رقم (907).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح أحيانا مزاحا لا يسقط الهيبة ولا يتطرق إليه الكذب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» مسند أحمد، رقم (8481).

فالإسلام ليس دينا جامدا، ولا يحب الوجه العبوس، ولا الجبين المقطب، ولا الرجل المكشر عن أنيابه دائما؛ لأن في ذلك إزهاقا للروح ببطء، وإضعافا للجسد. ومن جهة أخرى فإن التوسط مطلوب في كل شيء بلا إفراط ولا تفريط، ولا إسراف ولا تقتير، وكما قيل «الشيء إن زاد عن حدّه كشف عن ضده».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news