العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٨ - الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

القرآن بعيون المفكرين (6)

الجمعة ١٤ فبراير ٢٠٢٠ - 10:41

بقلم: عاطف الصبيحي

من خلال سياحة متواضعة في الأسفار التي تناولت القرآن وكل بحسب اهتمامه، قديما وحديثا، وجدت أنه ما من أحد إلا استل من القرآن شيئا جديدا، مختلفا عن غيره من السابقين، وهذا هو الغِنى الذي يتمتع به القرآن، لمسته بشكل حسي واقعي، ولكن مع الأسف الشديد والأسى العميق أنّ هذا الأمر مقصور على نخبة قليلة جدا من أبناء هذه الأمة، والسواد الأعظم تعامل مع الكتاب المبارك كما وصفه المُفكر الراحل علي عزت بيجوفيتش: «هكذا تحول القرآن عندنا إلى صوت مجرد من الوعي ضبابي المعنى»، وعلى النقيض من ذلك نجد الشاعر والروائي والفيلسوف الألماني «جوته» ينحت عبارة من أعمق ما وقعت عيني عليه حيث يقول: «كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي»، شعور لا يصدر إلا عن مُفكر يُدرك أبعاد كلامه، وهو يتفق مع ابن المغيرة عندما ذهب ليستمع للقرآن ليذمه فعاد إلى القوم بعبارته المشهورة «... والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مُغدق أسفله، وإنه يعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته».

وينبغي ألا نكتفي بسرد أقوال المُفكرين بالكتاب الكريم، بل نذهب لتعليل قولهم من داخل النص المبارك، حتى لا نكون مأخوذين بالعاطفة من دون سند علمي من الكتاب نفسه، فالله وصف الكتاب (القرآن) بأنه مبارك، وجولة سريعة في المعاجم العربية لنقف على معنى «البركة» نجدها ذات معنيين، أولها التكاثر والتوالد، والثاني تدل على الثبات، وهذان من أهم خصائص القرآن المبارك.

فالقرآن نصه ثابت، لا يطوله التغير ولا التبديل، وذلك بتعهد رباني بحفظه، وهذه من بديهيات الإيمان والمنطق كذلك، والله وصف نفسه بـ«المبارك» وارتضاه سبحانه لنفسه «فتبارك الله أحسن الخالقين» وقوله تعالى «ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين»، فالثبات صفة للذات الإلهية وتليق به وبكلامه المجموع بين دفتي المصحف الشريف، ولا تليق ولا تنطبق على غيره من الخلق مُطلقا.

 وبما ان القرآن بهذا المعنى هو المُطلق، المحتوي على الحقيقة المُطلقة، فإن صفة التكاثر والتوالد تأتي من فهم البشر النسبي لهذا المٌطلق، وهذا ما اختصره أحد المُفكرين «بثبات النص وحركية المحتوى»، فالعلماء والمفكرون كما ذكرت بالمقدمة يمرون على النص الثابت، يستنطقونه ويطرحون الأسئلة ويبحثون عن الإجابة في ثنايا النص الثابت، ومنه تنبثق الأفكار والآراء والاستنتاجات المتوالية التي لا تنقطع، ولن تنقطع منذ اكتمال نزوله على قلب الرسول الكريم حتى تبدل الأرض غير الأرض.

والعلم والمعارف دائما تسير باتجاه صاعد، وهذه العملية تخضع لسيرورة التاريخ «الزمن»، فكل المكتسبات المعرفية تُساعد الأجيال على النظر في هذا النص الخالد الثابت «المبارك» بعين علومها ومعارفها، ولا يزال النص ثابتا صامدا يُجيب عن أسئلة السائلين، ويزيل قلق المتوترين، وشاعر ألمانيا مثال على ما نقول.

وحقيق بنا ان نُشير إلى أن ما قلناه سابقا ينطبق حصرا على آيات الوجود والقوانين الموضوعية التي أودعها الله في القرآن، وهذا بأبسط قواعد المنطق والفكر لا ينطبق على آيات الأحكام، التي تعتبر آيات مغلقة، وهي قليلة مقارنةً ببقية الآيات القرآنية، وهذا القول مرده الوقوف المتأني عند الآية الثانية من سورة البقرة «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين»، فهنا ينبغي الربط بين لفظة الكتاب ولفظة المتقين، ومع ذكر القرآن في نفس السورة (الآية 185) يقول الحق سبحانه وتعالى: «شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس» هذا تحدٍّ غير مُعلن ليشمل كل الناس، للنظر في الآيات التي يمكن أن نسميها «آيات قرآنية»، تلك الآيات التي تتناول نشأة الكون، والقصص القرآني، وقوانين الفتق والرتق ومغرب الشمس ومشرقها والسباحة في الفلك بدقة متناهية، وأصل الإنسان التي حام حولها داروين سنين عددا، واكتفى حين ذكر الكتاب بتحديد الفئة المستهدفة وهم المتقون، فالناس أعم حيث تشمل المتقين وغير المتقين، لذلك كان لفظ القرآن ذا دلالة فائقة، وتجلى من خلاله معنى البركة.

ولمزيد من التوضيح والتأكيد فإن الصلاة بكل ما يتعلق بها لم نختلف عن الجيل الأول في فهمها، وماذا اختلف الصحابة الكرام عنا في الوضوء السابق على الصلاة، هذا ما قصدناه بالآيات المُغلقة، حيث لم يبق فيها زيادة لمستزيد، بينما بقية الآيات مازالت مدار بحث أهل الاختصاص، مؤمنين وغير مؤمنين، متقين وملحدين على السواء، وهذا المعنى متضمن في قوله تعالى: «هذا كتاب مبارك فاتبعوه واتقوا الله لعلكم ترحمون»، وهل التقوى إلا اتباع الحلال واجتناب الحرام، وهذه سلوكيات وأخلاق، لا علاقة لها بالوجود وقوانينه.

الفقهاء مجالهم الحلال والحرام، والعلماء بعموم معنى كلمة علماء مجالهم دراسة تلك الآيات التي تُشير إلى القواعد والقوانين الكونية التي مازال الكثير منها عصيا على الاكتشاف، وهذا مصداق لقوله تعالى «لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون»، والأنباء من الغيب الجزئي الذي مناطه العلم الذي سيكشفه يوما ما بحسب مفهوم الآية السابقة.

هذا كتابنا مبارك ثابت النص متحرك المحتوى، معروض على كل ذي لُب ليستنبط منه، والله يدفعنا دفعا لنتأمله ونقرأه قراءة واعية، فالحمد الله على نعمة الكتاب المبارك.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news