العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

نعاير غيرنا والعيب فينا (1)

هناك مثل يقول إن الجمل لا يعرف ولا يرى أن رقبته معوجة، للبرهنة على ان الإنسان لا يرى عيوب نفسه، ويقال للشخص الذي يعاير أو يعيب الآخرين بأمر هو نفسه يفعله أو يقوله، ونحن نردد بلا كلل أو ملل ان الأمريكان والأوربيون عنصريون، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن وعلى الأقل فإن قوانينهم تحرِّم وتجرِّم التمييز العنصري بينما نحن أيضا عنصريون، وعنصريتنا أكثر قبحا من عنصرية الغربيين، فهم قد يمارسون التمييز ضدنا نحن أبناء وبنات الشعوب السمراء، وحتى عندما كان التمييز العنصري في الغرب مقننا ومشروعا، كان موجها ضد الأجانب من غير ذوي الأصول القوقازية (البيض كما نسميهم)، بينما نحن نمارس التمييز ضد بعضنا البعض، بل إن هناك من سيحتج لأنني جعلت العرب جميعا من الشعوب السمراء، علما بأنه لا يوجد عربي «أبيض»، وعلى كل حال، فالمسألة نسبية، فحتى لو كنت أنت تعتقد انك أبيض فأنت كذلك فقط مقارنة بمن هم أكثر سمرة منك من بني وطنك، ولكنك تبقى اسمرا في عيون الشعوب البيضاء. ومصيبتنا هي اننا – مثل الجمل – لا نرى اعوجاج رقابنا، وأننا لا نرى أننا نمارس التمييز أو أننا من ضحاياه، ففي كل الدول العربية تجد نسبة عالية من السكان لا تعتقد ان حقوقها مهضومة، ومرد ذلك هو أنه عندما يكون الظلم شاملا فإنك لا تحس بأنك مستهدف أو من ضحاياه.

ولا بأس من إيراد حكاية سبق لي الإشارة اليها مرارا وتتعلق بمشاركتي في حلقة من برنامج على مسؤوليتي في قناة أم بي سي وكان يقدمه الممثل السوري دريد لحام، وبدأ حديثه بالتهكم على الأمريكان لأنهم يتعالون على السود والمكسيكيين، فأخرجت من جيبي كيس بلاستيك وأخرجت منه حبيبات من الفول السوداني وسألته: ماذا تسمون هذا في الشام؟ فتلجلج ولكن الممثلة السورية أمل عرفة التي كانت تشارك في البرنامج قالت: نسميه فستق عبيد، ولم آت بعدها بتعليق من عندي لأن رسالتي «وصلت».

ريتشارد برانسون مليونير بريطاني ارتبط اسمه بشركات فيرجن للتسجيلات الموسيقية والنقل الجوي، وقد كرمته ملكة بريطانيا ومنحته لقب «سير»، وهو أرفع لقب في سلم الارستقراطية البريطانية. وبرانسون رجل شعبي حسن السمعة ولم يُعرف عنه أنه يمارس التمييز ضد إنسان آخر بسبب اللون أو الجندر (الجنس من حيث الذكورة والأنوثة) أو القبيلة أو المنطقة، ومع هذا فقد أدانت محكمة أسترالية شركته «فيرجن» بممارسة التمييز ضد بعض النساء: كانت شركة فيرجن بلو للطيران قد أعلنت عن رغبتها في توظيف مضيفات، وتم استبعاد 8 متقدمات من المنافسة رغم أن بعضهن يملكن الخبرة الطويلة والسجلات المشرفة في مجال الضيافة الجوية، وكان سبب الاستبعاد هو أنهن كن فوق سن الأربعين، ورأت المحكمة ان الشركة مارست التمييز ضد هؤلاء النسوة بسبب «العمر» وقضت لهن بتعويضات مجزية.

تعال نقلب صحفنا ونقرأ بعض الإعلانات عن الوظائف الشاغرة: مطلوب موظفة استقبال ذات مظهر حسن لا يزيد عمرها على 25 سنة! معيار المظهر الحسن مطاطي وهلامي، ومن ثم فهو معيار سخيف وجارح، فلو ترشحت عشرون فتاة للوظيفة وتم اختيار واحدة فقط، فمعنى هذا أن من قام بالاختيار يرى ان المستبعدات الـ19 ذوات مظاهر غير حسنة؛ ولماذا 25 سنة؟ هل ذات الـ26 سنة منتهية الصلاحية؟ ولماذا تخصص الوظيفة لأنثى ما لم تكن المسألة فيها «إنَّ»؟!! لو ظهر إعلان كهذا في صحيفة غربية لـ«خرب بيت» من نشره، لأن جمعيات مختلفة تتولى رصد مظاهر التمييز تحت أي ذريعة، لاستئصالها.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news