العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

صفقة القرن

من صخب عجلات القطار، وحركة السيارات، وانطلاق الصواريخ، ودوي المدافع، تتصاعد ألسنة اللهب، والدخان، لتتساقط فوق رؤوسنا قطعا ملتهبة من مخلفات الحريق..

هذه الفقرة السابقة تطوي بإيجاز أحداث مائة عام ونيف، حين أصدر وزير خارجية بريطانيا «آرثر بلفور» في 2 نوفمبر 1917 بيانا يعلن فيه تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وضمن هذا الوعد في رسالة إلى الأب الروحي لليهود حول العالم «ليونيل دي روتشيلد» ليؤكدها بنفسه لأعضاء الاتحاد الصهيوني في بريطانيا، وتحقق لليهود هذا الوعد والذي حرص «بلفور» في دعايته إلى الاهتمام بحماية الحقوق المدنية والدينية للعرب الفلسطينيين، ومع ذلك، كان سببا في إشعال صراع مرير بين العرب وإسرائيل لم يتوقف طوال قرن كامل.. 

من صخب أحداث الحياة، وتلاقي اليسار المنحرف، واليمين المتخاذل، والمزيد من صب الزيت على النار، في شبه حرب عالمية رابعة، لم يتوقف أوارها حتى اللحظة لهدم بلاد المسلمين، واحتلال عواصم العرب، عادت إلينا من لندن، روح «بلفور» ترفرف من جديد، لتتقمص أرواح «ترامب» وفريقه الرئاسي في نيويورك، ليحققوا الوعد الأزلي «لنتنياهو» بتصفية القضية الفلسطينية، وضرب حماية الحقوق المدنية والدينية للعرب الفلسطينيين عرض الحائط.. 

حلم العرب بالجلوس على أرصفة المقاهي القريبة من قبر «بلفور» في لندن للتأمل فيما فعله الأخير ببلاد العرب، لم يشفع لهم بالهرب من معترك «ترامب» وهو يشطب كافة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فيعلن علينا صفقة القرن، وقد حشد «لنتنياهو» من الألفاظ في خطة 2020 لقضم الضفة الغربية ما لم يحشده «بلفور» لـ«روتشيلد» في 1917..

صفقة «ترامب»، هي خطة فاشلة، بمفهوم قلق، وحديث مضطرب، وثقافة دخيلة، وأفكار ممزقة، ولغو إعلامي شاحب بالمرض والتحريض والعمالة والتبعية والخيانة، غير متماسك، يرعد ويزبد، يعلن الخصومة، وسياسات مهلهلة، تكبل الأيدي، وتصادر الأرض، وتنتهك العرض، وتسلب السلاح، وتركل السلام بالأقدام.. 

المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أعلنوا رفضهم للخطة يوم الإثنين الماضي من جدة عاصمة القرار الإسلامي، وقالوا إن «الخطة الأمريكية الإسرائيلية لا تلبي الحد الأدنى لتطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة»، بل ودعا أعضاء منظمة التعاون الـ57 على مستوى وزراء الخارجية، «إلى عدم التعامل مع الخطة، أو التعاون مع الإدارة الأمريكية لتنفيذها».. 

حسنا ما فعل هؤلاء الوزراء بإسقاط هذا الوهم الكبير، وحسنا ما أصدروه من قرار يحرر العقل المسلم الحائر، وحسنا ما آمنوا به، وعزروه، ونصروه، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا في الله حق جهاده، يقصدون من قرارهم الموحد، رفع لواء هذا الدين العظيم دون سواه، على قلاع الغرب المسيحي المتصهين، وهم مكافؤون بالبشرى بحول الله من رب العباد، لأنهم أسهموا بجبر هذه الأمة من حالات الضعف والهوان والإنكسار، وعملوا على إرساء قيم الخير والفضيلة والبر والدفاع عن الأقصى والمرابطين فيه، والمظلومين في أكنافه.. 

هذه الصفقة التي أعلن عنها «ترامب» للسلام مع الفلسطينيين السبت الماضي تمثل موقف «ترامب» والإدارة الأمريكية وحدهم، حيث إن الموقف الإسلامي واضح من تلك الخطة، بل وأكد محورية القضية الفلسطينية والقدس الشريف في صميمها للأمة الإسلامية بأسرها، ويعيد تأكيد الطابع العربي والإسلامي للقدس الشرقية المحتلة العاصمة الأبدية لدولة فلسطين..

الخطاب الأمريكي أهمل القضايا الأساسية للفلسطينيين، وأرسى المزيد من ضياع الوقت لعدم مناقشة الأمور العالقة بالقدس، وعودة اللاجئين، والانسحاب من المستوطنات، ولا يتحدث عن إطار زمني بعدد من السنوات لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وحديث «ترامب» جاء مغايرا لهذا الموقف.. 

في الختام، هناك متطلبات من إسرائيل ينبغي أن تتحقق، ولكن من يجادل الله في بقرة لن يتنازل في مفاوضات ومباحثات سلام عن القدس، والأقصى، وعودة اللاجئين، وإخلاء المستوطنات. 

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news