العدد : ١٥٣٥١ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥١ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مستجدات السياسة الفرنسية تجاه أمن الخليج العربي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٣ فبراير ٢٠٢٠ - 02:00

 تولي الدول الكبرى أمن الخليج العربي أهمية بالغة سواء فرادى أو من خلال التجمعات مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «الناتو» من خلال الشراكات التي أسستها دول الخليج مع تلك الدول والتكتلات، ومع أهمية تلك الشراكات فقد لوحظ تنامي الاهتمام الفرنسي بأمن منطقة الخليج العربي مؤخرًا وهو ما تمثل في مؤشرين الأول: تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا قامت بنشر منظومة رادار على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية لتعزيز دفاعاتها ضمن مهام جاجوار في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية من خلال الطائرات المسيرة «الدرون»، فضلا عن إعلان فرنسا إرسال حاملة الطائرات «شارل ديجول» إلى منطقة الشرق الأوسط اعتبارًا من يناير وحتى أبريل 2020 وذلك من أجل دعم عمليات الجيش الفرنسي في تلك المنطقة ضمن الجهود الدولية لمواجهة تنظيم داعش، والثاني: تأكيد وزارة الخارجية الفرنسية في بيان لها صدر في 20 يناير 2020 أن ثماني دول قررت الانضمام إلى البعثة الأوروبية التي تقودها فرنسا لمراقبة أمن الملاحة في الخليج العربي.

 الاهتمام الفرنسي بأمن الخليج العربي ليس وليد اليوم ففرنسا كانت إحدى دول التحالف الغربي لتحرير دولة الكويت من الغزو العراقي عام 1991. فضلا عن توقيعها عددا من الاتفاقيات الدفاعية الثنائية مع عدد من دول الخليج في أعقاب عملية التحرير، بل إن هناك اهتماما فرنسيا بالتعاون مع دول الخليج كمنظومة إقليمية ففي عام 2006 أصدرت الحكومة الفرنسية «الورقة البيضاء حول الإرهاب» والتي تضمنت التعاون مع المنظومة الخليجية في مكافحة الإرهاب كنموذج يحتذى به في هذا الشأن.

 وحديثًا تعد فرنسا عضوًا في التحالف الدولي لمحاربة داعش، كما أنها تدعم القدرات الدفاعية لدول الخليج ومن ذلك إعلان المملكة العربية السعودية في يوليو 2019 تسلم أول زورقين سريعين فرنسيين ضمن 39 يشملها عقد تصنيع تلك الزوارق والذي تم توقيعه بين المملكة وشركة سي أم إن الفرنسية، وبموجبه سوف يتم تصنيع 18 زورقًا في السعودية، وتتميز تلك الزوارق التي صنعت خصيصًا لحماية الشواطئ بالسرعة غير المسبوقة إذ تصل إلى 50 عقدة بحرية أي حوالي 93 كلم في الساعة، وعلى المستوى الإقليمي كانت فرنسا إحدى الدول الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران.

ويلاحظ أن فرنسا تعمل دائمًا لممارسة ضغوط على إيران من أجل عدم تخفيض التزاماتها النووية ومن ذلك تصريح جان إيف لو دريان وزير الخارجية الفرنسي خلال شهر نوفمبر 2019 بأن «مسألة تفعيل آلية فض النزاع المنصوص عليها في الاتفاق النووي مع إيران، والتي قد تؤدي إلى توقيع عقوبات دولية عليها قد أضحت قيد البحث بالنظر إلى انتهاك طهران المتكرر لذلك الاتفاق» ويعني ما سبق أن تفعيل تلك الآلية يعني إمكانية عودة الملف النووي إلى مجلس الأمن بما يعنيه ذلك من فرض عقوبات أممية على إيران ومن ثم إمكانية إدراج إيران تحت البند السابع والذي يسمح باستخدام القوة ضدها. 

ومع أهمية المؤشرات السابقة التي تأتي ضمن حرص فرنسا على الحفاظ على أمن الخليج العربي سواء كانت تلك الجهود منذ زمن طويل أو المستحدث منها فإن ثمة عوامل يمكن من خلالها تفسير هذا الاهتمام الفرنسي المتزايد بأمن منطقة الخليج العربي أولها: المصالح الاستراتيجية لفرنسا في تلك المنطقة والتي تتنوع ومنها بطبيعة الحال اعتمادها بنسبة كبيرة على نفط تلك المنطقة ضمن خططها الصناعية ومن ثم فإن الاعتداءات التي شهدتها ناقلات النفط في خليج عمان وقبالة سواحل الإمارات قد أثارت مخاوف فرنسا من إمكانية تجدد سيناريو حرب الناقلات إبان الحرب العراقية - الإيرانية مجددًا، وثانيها: التنافس الأوروبي تجاه منطقة الخليج وخاصة في أعقاب الخروج البريطاني من منظومة الاتحاد الأوروبي ورغبة الدول المحورية في تلك المنظومة وخاصة فرنسا وألمانيا وإيطاليا في تعزيز علاقاتها مع دول الخليج، وثالثها: أن السياسة الفرنسية تعد جزءا من توجه أوروبي لتأسيس هوية أمنية أوروبية وقد تمثل البدايات الأولى لذلك في اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأسيس جيش أوروبي موحد لحماية المصالح الأوروبية وخاصة في ظل انتقاد الولايات المتحدة غير ذي مرة لنسب إسهام الدول الأوروبية في الميزانية الدفاعية لحلف الناتو.

وعلى الرغم من ظهور تحفظات من جانب فرنسا على السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وهو ما أكدته فلورنس بارلي وزيرة الدفاع الفرنسية بأن هناك ما يمكن اعتباره «انحسارًا لهذا الدور خلال السنوات الأخيرة» فإن ذلك لا يعني أن هناك تنافسًا فرنسيًا- أمريكيًا تجاه أمن الخليج العربي بل أنه يمكن أن يفهم ذلك ضمن إطار التكامل بين تلك الأدوار ويؤكد ذلك ثلاثة أمور الأول: أنه بغض النظر عن وجود رؤى متباينة أحيانًا بين الولايات المتحدة ونظرائها الأوروبيين حيال بعض القضايا ومن بينها فرنسا فإن الجانبين يجمعهما إطار آخر وهو حلف شمال الأطلسي «الناتو» وربما تجد فرنسا الفرصة سانحة في دعوة ترامب للحلف إلى أن يكون له دور أكبر تجاه تطورات الشرق الأوسط، والثاني: مع رفض فرنسا وعدد من الدول الأوروبية الانضمام للتحالف البحري العسكري لأمن الملاحة في الخليج العربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتجاه إلى تأسيس ما عرف «بالبعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة في الخليج العربي» فإن تلك الأخيرة سوف تكون مكملة للجهود الأمريكية في هذا الشأن وليست في حالة تنافس معها، والثالث: أن هناك حاجة لاستمرار الحوار البناء بين أوروبا والولايات المتحدة لمجابهة الدور الروسي تجاه منطقة الشرق الأوسط والذي يستهدف ذات المناطق التي تحظى فيها الدول الغربية عمومًا بمصالح استراتيجية. 

ويعني ما سبق أن هناك مؤشرات مهمة على تنامي الدور الفرنسي تجاه أمن الخليج وهو ما يمكن أن يعزز من ذلك الأمن في ظل عدة مستجدات وخاصة في ظل إعلان فرنسا استراتيجية الأمن القومي الفرنسي عام 2017 والتي تعد تحديثًا لتلك التي صدرت عام 2013 حيث لوحظ أن الاستراتيجية الجديدة أو ما عرف «بالورقة البيضاء للدفاع» قد أعادت تأكيد هدف محاربة التنظيمات الإرهابية مع إعطاء أولوية للإرهاب السيبراني، بالإضافة إلى إعلان الرئيس الفرنسي عن تشكيل قيادة عسكرية للفضاء وذلك بموجب قانون البرمجة العسكرية الفرنسية 2019-2025 والذي خصص موازنة تقدر بحوالي 3.6 مليارات يورو من أجل الدفاع الفضائي وهي جميعها مجالات يمكن لدول الخليج الاستفادة منها.

ومع أهمية ما سبق فإن الدور الفرنسي يبقى مرتهنًا بالقدرة على التصدي للمساعي الإيرانية لامتلاك أسلحة نووية ومن ثم تهديد التوازن الاستراتيجي الراهن في منطقة الخليج العربي. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news