العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

مقالات

.. سيروا في الأرض (2)

بقلم: تقي البحارنة

الجمعة ٢٤ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

علـقت نفسي بالأسفار، منذ نعومة الأظفار. أسفار برفقة والدي إلى العراق في الصغر وتجوالي في الأمصار والأقطار في شبابي وفي الكبر. 

طفت حول الكرة الأرضية أربع مرات، وتجولت في مناكبها بالمئات والعشرات. وكتبت عن بعضها نثرا، وأوفيت كثيرا منها شعرا. ومما قلته في ذلك هذه الأبيات:

( قـد هـمت بالأسفـــار أعشــقـها غراما مـستحيلا

كم سابــقت خطى الـشّموس فـكدت أسبقـها وصولا

ولـكم تـحـمّـلت الـفراق ولـم أطـع فـيـه.. عـذولا

حتى إذا هـاج الحــنين بخاطري.. وبكـــى طــويلا

بادرت يا وطــني إليك.. فــلم تكـن عــنّي بخــيلا

ونــهــلت حـبّـك مـوردا عـذبا ومــاء سلسبيلا)

‭}}}‬

أول سفرة لي حول العالم كانت في عام 1962 استغرقت اربعة شهور. وهي سفرة شاب في الثانية والثلاثين من العمر. تستفــزّه رغبة عارمة للتعرف على عالم جديد بعيد خارج الأوطان.

ابتدأت الرحلة الجوية في 12 أبريل على الطيران البريطاني بي.اي.او سي. إلى هونج كونج مع توقف في سنغافورة. ولكن الطبيعة في البحرين في هذا التاريخ كانت عاصفة مليئة بالغبار الذي تقل فيه الرؤى.. فتأخر وصول الطائرة ريثما تنجـلي الرؤية حتى ما بعد منتصف الليل ووصلت المطار القديم متشوقا وهـمّ الرحلة بين عيني. وإذا بقبطان الطائرة نافخا ريشه ملازما لمكتب تسجيل المسافرين. قـلّب نظره في الجواز وأمرني بالعودة إلى البيت لأنه لم يجد رخصة التأشيرة (الفيزا) للذهاب إلى هونج كونج. وحاولت اقناعه بأن وكيل السفريات أكد لي بعد زعمه انه راجع دار المعتمد البريطاني.. فقالوا له لا حاجة إلى رخصة الفيزا لمواطني البحرين. ثم القى الجواز بحضني بشيء من الغضب، وكتب لي إقرارا بأنه منعني من السفر ويتحمل مسؤولية ذلك.

أخذ بخاطري المسؤول في دار الاعتماد البريطانية وأعطاني التأشيرة وسافرت يوم 14 من أبريل إلى هونج كونج. وصلت المطار الصغير الكائن في شبه جزيرة في قلب مدينة هونج كونج. وكنت فرحا عند وصولي بأن القي عصا التسيار في بلد يستضيف الزائرين، فإذا الأمر بالضد. فقد لقيت ضباط أمن كالزبانية يأمرون ولا يؤمرون. من هؤلاء ضابط ذو نياشين على كتفه، يأمر المسافرين بلهجة حادّة قائلا: من عنده تأشيرة يصطفّ على اليمين، ومن ليست لديه تأشيرة يبتعد إلى اليسار. فقلت في نفسي لو لم يمنعني قبطان الطائرة في البحرين لأصبحت اليوم من أصحاب اليسار.. وما ادراك ما أصحاب اليسار.

تفحصني جيدا قبل أن يتفحص جوازي وأمرني بالدخول وكأن هونج كونج جنة يكفيك شرفا أنه أفسح لك الطريق اليها. وقلت في نفسي ليت رضوان خازن الجنان يوم القيامة يعطيه درسا في حسن استقبال من هم من أصحاب اليمين.. وللجمارك في فحص الأمتعة شأن عظيم. ولم يكن لدواعي الأمن وهوس الأسلحة والإرهاب، آلات فحص بالأشعة أو بالأيدي كما هو شأن اليوم.

هونج كونج في ذلك الزمن كانت صغيرة وليست عصيّة على ذرعها بالاقدام. ومع ذلك كان فيها من ازدحام الشوارع والأحياء والاسواق ما هو شبيه نسبيا بما فيها اليوم. أغلب سكانها صينيون وبعدهم من جاليات الهند.

‭}}}‬

 هونج كونج في 1962:

نزلت في فندق في الأحياء الصينية وأعجبني اسمه الشاعري (صن راي) أي شعاع الشمس. وجدت فيه خدمة جيدة ولم اجد فيه شمسا. وكان أول همّي الحصول على تأشيرة دخول لليابان. قيل لي إنها سوف تستغرق 15 يوما أو أكثر. ولكن صديقي العزيز في اليابان رجل الأعمال جاسم محمد الباقر من العراق، وهو الوكيل المعتمد لشركة ميتسوبيشي الكهربائية حتى يومنا هذا، استطاع بمهارته واجادته اللغة اليابانية ان يستخرجها في أقل من اسبوع.

لقد بلغ به التشوق لملاقاتي أن يغادر مكتبه ويلاحق معاملة التأشيرة في وزارة الداخلية اليابانية ثم في محاكم القضاء ثم وزارة الخارجية. وكان القضاء يتطلب حضوره شخصيا لأداء القسم امام القاضي. 

الـبـسها.. وتوكــّل: 

بينما كنت أتجول في أسواق هونج كونج لابسا بدلتي الإفرنجية الوحيدة التي فصـّلتها في البحرين، أمسك بزمامي أحد الصينيين من خياطي اطقم البدلات قائلا: سوف اصنع لك بدلة كاملة من ثلاث قطع أحسن من التي تلبسها، قلت ما عندي وقت، قال انجزها في 24 ساعة فقبلت. دفعت المقدم من الثمن واخترت قماشا من صوف خفيف يسمى (مـوهير) لعله من شعر الماعز اللّماع. وجاءني في غرفتي في الفندق عند المساء وجـرّبها علي مقطوبة بالخيوط، وسلمها لي كاملة عند ظهيرة اليوم التالي. فكنت ألازمها في بقية أيام سفري مع ربطتي عنق جاهزتين معقودتين تتسع الواحدة منها أو تضيق بحسب المطلوب!!

ثم اشتريت من البائعين الهنود كاميرا تسجيل سينمائي 8 ملم. ماركة (كانون) في أوائل عهد انتاج الكاميرات الشخصية. وكان لها شأن كبير في حياتي. سجلت بها معظم اسفار الخارج وأهم المناسبات العائلية. وهي تحمل بكرات تسجيل في حدود اربع دقائق. وشغلت نفسي حين رجعت إلى البحرين في الصاق تلك البكرات وقطع المناظر المشوشة ثم تحميلها في بكرات كبيرة من حجم 8 ملم، وعرضها على الشاشات في نادي العروبة ومع العائلة والأصدقاء ومن بينهم وزراء مهمّون من البحرين. وأضفت بذلك هواية التسجيل الصوتي إلى السينمائي.

ثم دلفت إلى سوق الصيارفة وإذا بسعر صرف الدولار يختلف من محل إلى اخر فاخترت من وجدت عنده احسن الأسعار. استلم الدورات وخبأها واعطاني بحسب السعر الممتاز مخصوما منه مبلغ سعي مقداره 5% فأصبح الدولار بثمن بخس اقل من غيره فلما اعترضت بسبب ان لافتة السعر بالإنجليزية ليس فيها خصم اشار إلى لافتة باللغة الصينية قائلا: سعر الخصم فيها مذكور والمعاملة تمّت وليس فيها نكوص.

في هذه السفرة وجدت أن مدينة هونج كونج بمثابة مركز عالمي للتسوق الشخصي ولا سيما القادمين من القارة الأمريكية بسبب أن الاسعار المعروضة في أسواقها اقل من اسعار المنتجات ذاتها في بلدهم الأصلي. لكن المتسوّق غير الحذر كثيرا ما يقع ضحية للتلاعب أو الغش.

 ملامح من هونج كونج:

صرت أذرع الشوارع في هونج كونج (كاولون) قاصدا في أغلب الأحيان أكبر فنادقها وأشهرها ومن أقدمها (تأسس في عهد الإنجليز عام 1928) واسمه (باننسولا هونج كونج) المطل على البحر. تأخذني في الطريق دهشة العمران الشاهق وتخمة الأثرياء – وتذيب نفسي أحوال الكادحين وذلـّة الفقراء، بينما يكاد الناظر من شاطئ البحر أن يلمح جزيرة (مكاو) الخاضعة آنئذ للاستعمار البرتغالي، حيث تقام ساحة لعب القمار (الكازينو) في قاعة بسيطة كبيرة تعلوها قبة واسعة يجتمع فيها أصحاب الثراء مع الجمهور الكادح نساء ورجالا ممن يوفرون من مدخولهم الشهري لإنفاقه في القمار طمعا في ربح كبير وحظ عظيم. وقد وجدت تلك القاعات مثقلة بسحب دخان السجائر في جو من الضجيج والصراخ.. فاتجهت لتفقد انحاء مكاو فكانت مجرد حوانيت ومساكن متواضعة البناء. ولم يدر بخلدي انها سوف تصبح كحالها اليوم معلما دوليا للسياحة والترفيه ومرتعا خصبا للعب القمار بعد استقلالها وعودتها إلى احضان الصين.

 (بانينسولا) فندق على الطراز والذوق الانجليزي، يصرف للمقيمين ست وجبات في اليوم.

الشاي والقهوة والكعك في الفراش في الصباح الباكر، وإفطار كامل بعدها، ثم شاي أو قهوة في ضحى اليوم ثم وجبة الغداء وبعدها العشاء وبعد كل ذلك وجبة ما قبل النوم، ولعله اليوم قد بدل تلك العادات بحسب مقتضيات العصر. وكان يعجبني تناول قهوة ما بعد الظهر بما يتبعها من بسكويت ومعجنات وابتسامات لطيفة.

في طريقي إلى ذلك الفندق جاءتني صدفة خير. تقابلت صدفة مع الشاب محمد بو خمّاس. وشركة بوخماس ومالكيها كانت مجاورة لمحلنا على امتداد شارع الشيخ عبدالله في سوق المنامة. نتزاور ونتحاب ونحن نرتشف فناجين القهوة والشاي من المقهى المجاور. كان صاحب المقهى يعمم رأسه بغترة (شماغ) سوداء باعتباره سيدا في نسبه، وكنا نحترمه رغم مزاجه الحاد، وهو يغرينا بتمسكه بالنظافة وغسل الأكواب بعناية. 

كانت فرحة لقائنا عارمة متنامية المشاعر بين الصداقة وألفة الغربة. قال انه مثلي ينتظر تأشيرة السفر إلى اليابان وأنه سوف ينتظر لمدة 15 يوما. فصار سفري إلى اليابان قبل سفره.

وفي هونج كونج طاردني طيف الوطن وفراق الأسرة، وولدي أسامة في شهره الثاني بعد الولادة.. وهـزني الشوق فأرسلت لأمـّه هذه الأبيات:

«أسامة» تسلو بــه أمــّه 

 أن غاب عنه والد في الســّفر

عيناه.. عيناه وفــي وجهه 

 شبــه وفي المبســم منه أثر

يـرفرف الحــبّ على مهـده 

ويكـبر الحـبّ إذا ما كبـــر

‭}}}‬

هكذا أخذتني تلك السفرة الأولى حول العالم في 1962 إلى المحطـة الأولى في هونج كونج.

ثم تلتها محطّات ومحطّات أشبعت ذاكرتي الفتــيّة بمشاهد من المدن والبحار وضفاف الأنهار وشوامخ الجبال ذوات الرؤوس البيض والخضر وأوديتها المزهرة فاتنة الجمال – في عشرة مع المعارف والأصدقاء، أو في وحدة تسلو النفس بعجائب المشاهد السياحية. وأصبح حالي كما وصفة الأديب الشاعر عبدالرحمن القصيبي حين قال: مشكلتي الحقيقية ليست النسيان، مشكلتي كثرة الذكريات.

حاولت أن أطأ أكثر عدد من المدن والبلدان، تسمح بها تذكرة سفري حول العالم والتي تشترط مواصلة السفر في اتجاه واحد نحو الشرق من دون رجوع إلى الخلف. إلى أن استقر في البلد الذي سافرت منه، لأكون -ربما- شاهدا على كروية الأرض واستدارتها. وما خرج عن خط الرحلة تحملت تكلفته - ومدن تلك البلدان جاءت على النحو التالي:

(اليابان – جزائر هانولولو – لوس أنجلوس – دزني لاند – لاس فبجوس – سان فرانسسكو - سياتل – شيكاجو (أيوا) واشنطن – نيويورك – شلالات نياغرا- تورنتو كندا – لندن – بلجيكا – هولندا – الدانمارك - هامبورغ – فرنسا – إسبانيا – روما – اليونان – بيروت – العراق – الكويت – البحرين).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news