العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

مقالات

حديث الأسفار

بقلم: تقي البحارنة

الخميس ٢٣ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

(1)

قصة المذكرات:

 خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات التي عشتها من القرن العشرين، كان من مميزات أغلب المتعلمين أنهم كانوا يدوّنون الحوادث اليومية في مفكرات صغيرة. وكنت وأنا تلميذ في الثانوية حريصا على شراء تلك المفكرة في كل عام جديد، وتدوين ما يخطر ببالي من أحداث وأخبار. وأشهر تلك المفكرات التي كانت تباع في البحرين اثناء الحرب العالمية الثانية كان اسمها (مفكرة النصر).

 ولما سافرت إلى بغداد لإتمام الدراسة عام 1944 قصدت شارع المتنبي المتفرع من شارع الرشيد وهو شارع المكتبات والقرطاسية (بجوار وزارة التربية والتعليم سابقا) راغبا في شراء مفكرة النصر المعتادة.، إذا بصاحب المكتبة يرشقني بنظرة استغراب قائلا: (يابه...) الحلفاء انتصروا وانتهت مفكرة النصر! فاشتريت مفكرة غيرها.. ثم سرحت في سوق الكتب وعناوينها المغرية وباعتها المتجولين.. وإذا بشخص بلباس عشائري يحيطني بجبته الثقيلة وعباءته الخشنة من الصوف -ومازالت حرارة الطقس تلفح الوجوه- وهو يقول: أهلا بأخي العزيز من الخليج العربي، فاستقبلته بالتحية، ولما علم انني من البحرين ازداد سروره وكبر ترحيبه. وأنست لحديثه حين قال: أنا أقرأ مجلة (الأنصار) القاهرية وأعلم أن لك في بغداد جماعة مثقفة من أشياع الأنصار. 

 ذلك الأخ هو الأستاذ الأديب معن العجلي العروبي قومية والإسلامي انتماء. وهو من عشائر سوق الشيوخ في الفرات الأوسط.

دعاني لملاقاته في النجف الأشرف لأنه يدرس الفقه على شيوخ النجف. ولم أتبين هل دراسته هناك على مذهبه السني، أم المذهب الشيعي إلا فيما بعد. قابلته في النجف وهو يتبختر في سوقها العامر بالمكتبات والكتب ولا سيما في مكتبة «الحيدري» المعروفة وإذا بي التقي بطالب العلم الشيخ حسن علي البدر من القطيف وله علاقة حميمة مع والدي الحاج محمد مكي البحارنه، نستضيفه في منزلنا بالمنامة في ذهابه إلى النجف وفي إيابه منها قاصدا القطيف. وسألته فأجاب انه يدرس افكار الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأنه يبحث عن كتاب الشيخ واسمه (رسالة التوحيد).

 أما الأستاذ (الشيخ) معن العجلي فاستمرت علاقتي به حيثما رحل في بلدان الخليج العربي. أقام في البحرين في أوائل الخمسينيات قريبا من منزلنا في المنامة (مسجد المؤمن) باعتباره مندوبا عن هيئة الإذاعة العراقية في عهد رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد.

وكانت اللافتة البارزة على سكنه ومكتبه (مكتب الإذاعة العراقية) ملفتة لأنظار المارة بين منتقد ومستنكر. فقد كانت الهيئة التنفيذية العليا لسوء حظ المكتب- (هيئة الاتحاد الوطني فيما بعد) وتنديدها بحلف بغداد على هوى عبدالناصر - تأخذ بالقلوب والأبصار. وسمعت أن الاستاذ معن العجلي تعرض بسبب ذلك لبعض الكلام الجارح والمضايقات خلال مروره في الأسواق. ولا سيما انه كان يجاهر بدعوى حكام العراق آنئذ بأن الكويت جزأ من العراق (اللواء الخامس عشر!!).

ورحم الله صديقي الودود الشيخ خالد بن محمد آل خليفة الذي أحاط الأستاذ معن بالرعاية وهيأ له وظيفة تناسبه كأمين عام في مكتبة المعارف في مدينة المحرق.

 ذلك هو الصديق الأستاذ معن العجلي الذي وجدته متمسكا بعروبته وأفكاره الإسلامية.

بلباسه العشائري. كان من عادته زيارتنا في محلنا بحضور من يأتينا من أدباء وشعراء ومفكرين من بينهم الأستاذ الكبير إبراهيم العريض والدكتور علي فخرو والأساتذة علي التاجر وحسن الجشي ورسول الجشي والدكتور إبراهيم يعقوب وراشد الفليفل ومحمد قاسم الشيراوي وقاسم فخرو وعبد الرحمن الباكر وغيرهم.. وأدباء وشعراء من القطيف ومن الإحساء أحمد الراشد.. الخ.

كان الأستاذ معن يناقش ويجادل الحاضرين، وإذا طفح به الكيل - وله مزاج عصبي نوعا ما - يغادر الجمع فجأة وعلى درجات السلم يوجه لي دائما هذه العبارة (يا تقي: أنت عندك مواهب أدبية.. والتجارة مقبرة المواهب).. ثم ترنّ في خاطري تلك الكلمات وهو بعيد قريب.

 تلك هي ذكريات ماض في الخمسينيات الماضية، بعضها مستقى من تلك المفكرات، والآخر من الذاكرة، وقد أحسست بخطئي بعد ذلك حين انصرفت عن تدوين المذكرات اليومية، إلا في بعض المناسبات. وكأنني في هذا المجال استسلمت لما سمعته من الأستاذ الكبير إبراهيم العريض حينما كنا نتجول في ربوع لبنان عام 1954 وأنا أدون في مذكرة صغيرة، حين قال ما معناه: إن المهم في التجربة ليس تفاصيلها الجزئية المملة وإنما هو ما تتركه التجربة في النفس من انطباع عام وفي الذاكرة ومن خلفية شعورية أو جمالية سرعان ما تجد متنفسا لها فيما يقبل من أيام من خلال الإنتاج الأدبي أو الشعري أو الفني.

 وفي مقابل نظرية الأستاذ العريض، حضرت أمسية في نادي العروية تحدّث فيها العضو حسن المدني (وكان امينا للسر) عن تفاصيل زيارته للهند برفقة أصدقاء بتفاصيل دقيقة وبومية وجزئية اشرأبت لها أعناق الحاضرين. فسألته كيف استطاع ان يتذكر كل تلك التفاصيل بأيامها وساعاتها.. فأجاب: بأنه يدوّن مذكراته يوميا بكل ما يحدث له أو يشهده أو يمرّ به داخل بيته أو خارجه منذ أيام الدراسة إلى يومه هذا. فتذكرت عندها تلك العبارة المشهورة عند الانجليز: مفادها (إن السر الأعظم يكمن في التفاصيل).

 

‭{{{‬

ثم بدا لي أخيرا أن استنطق تلك الذكريات، أنفض عنها غبار الزمن، فإذا بي أجد أن ذكريات الأسفار أخذت منها مكان الأسد، سواء في أختام جوازات السفر أو فيما علق في الذاكرة من أحداث وعبر.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news