العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أي دور يريده ترامب للناتو في الشرق الأوسط؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

في التاسع من يناير الجاري وخلال مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض على خلفية مقتل قاسم سليماني طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلف الناتو بأن «يلعب دورًا أكبر في منطقة الشرق الأوسط»، وواقع الأمر أنها ليست المرة الأولى التي تطالب فيها الولايات المتحدة الناتو بالمزيد من الانخراط في مواجهة تهديدات الأمن الإقليمي ولن تكون الأخيرة، تلك الدعوة التي وجدت صداها لدى المسؤول الأول في منظمة حلف الناتو ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف الذي قال «إن الرئيس ترامب طلب تعزيز حضور الحلف في الشرق الأوسط وتم الاتفاق على أنه بإمكان الحلف المساهمة بشكل أكبر في الاستقرار الإقليمي ومواجهة الإرهاب الدولي».

 فبالعودة إلى الماضي القريب وفي أعقاب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 واجه الحلف انتقادات غير مسبوقة من الإدارة الأمريكية آنذاك بل إن تلك الانتقادات طالت جدوى وجود الحلف ذاته وأن عليه أن يتطور وإلا فلا جدوى من استمراره، الأمر الذي حدا بالحلف إلى التحرك والمشاركة بمهمة قوات «إيساف» في أفغانستان، كما أن الولايات المتحدة طالبت الحلف بالمشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده لمحاربة تنظيم داعش وهو الأمر الذي وجد استجابة لدى الحلف الذي شارك من خلال طائرات إواكس للاستطلاع والمراقبة، وتشكيل خلية لتقاسم المعلومات بشأن المقاتلين الأجانب، كما تردد أن الولايات المتحدة طالبت الحلف بأن يرسل قوات إلى سوريا لتحل محل القوات الأمريكية في أعقاب قرار الرئيس ترامب سحب تلك القوات من سوريا، بالإضافة إلى طلب ترامب من الحلف الانضمام للتحالف العسكري البحري لأمن الملاحة في الخليج العربي.

وتثير تلك التطورات تساؤلين مهمين الأول: ما هي طبيعة العلاقة بين الناتو والولايات المتحدة؟ والثاني: ما هو الدور الذي يريده ترامب للحلف في منطقة الشرق الأوسط؟

وللإجابة عن التساؤل الأول ينبغي التأكيد على أن علاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو لا تخلو من إشكاليات عديدة، صحيح أن الولايات المتحدة هي أكبر أعضاء الحلف التسعة والعشرين، بل إنها أكبر مساهم في ميزانيته إلا أن هناك خلافات بين الولايات المتحدة وأعضاء الحلف حول نسب المساهمة في تلك الميزانية، ولكن الولايات المتحدة لديها حرص على الإبقاء على الحلف وهو ما تمثل في مؤشرين الأول: الانتقاد الذي وجهه ترامب لمقترح تأسيس«جيش أوروبي موحد»، والثاني: أنه بالرغم من انتقاد ترامب للحلف خلال حملته الانتخابية فإنه تعهد بالحفاظ على تحالفات الولايات المتحدة وذلك خلال كلمته في حفل التنصيب، بل إن الواقع يؤكد التكامل العملياتي بين الجانبين، ففي أعقاب قرار الحلف التدخل في ليبيا عام 2011 تشير المصادر إلى أن الحلف لم يستطع القيام بتلك المهمة من دون الدعم الأمريكي خلال الأيام الثلاثة الأولى من خلال الطائرات من دون طيار.

وللإجابة عن التساؤل الثاني: ينبغي التأكيد على أن الحلف له تواجد بالفعل ضمن مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية ولكن ليس من خلال التدخل العسكري المباشر كمنظمة، إذ إن لهذا التدخل شروطًا ثلاثة وهي إجماع دول الحلف على ذلك التدخل لتهديد أزمة ما لمصالح دول الحلف، ووجود قرار أممي، وطلب الدولة المعنية ذلك التدخل، وعلى الرغم من أن الحالة الليبية المشار إليها كانت هي المرة الأولى التي يتدخل فيها الحلف كمنظمة في المنطقة العربية فإن ذلك لا يعني أن الحلف ظل بعيدًا عن تطورات الأمن الإقليمي الراهنة، ابتداءً بعام 2008، حيث أرسل حلف الناتو قطعًا بحرية ثقيلة التسليح لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن وفقًا للقرارات الأممية في هذا الشأن ومرورًا بإعلان الحلف توقيع اتفاقية مع الحكومة العراقية لتدريب قوات الأمن وانتهاء بمشاركة حلف الناتو ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش في عام 2017.

ومع أن الحلف لم يكن منخرطًا في المسألة النووية الإيرانية إلا من خلال صدور بعض التصريحات الرسمية من مسؤوليه حول أهمية الالتزام بالاتفاق النووي حين توقيعه عام 2015 فإن الممارسات الإيرانية قد حدت بالحلف لأن يدخل على خط التفاعل فكانت المرة الأولى منذ سنوات التي يعلن فيها المسؤول الأول في الحلف ينس ستولتنبرج أن «هناك تأكيدا على ضرورة عدم امتلاك إيران لأي سلاح نووي»، وقال «يجب على إيران التوقف فورًا عن سلوكها الاستفزازي في المنطقة»، وأضاف «أن جميع أعضاء الحلف أعربوا عن قلقهم إزاء دعم إيران للجماعات الإرهابية في المنطقة»، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها الحلف على خط التفاعل، ففي أعقاب استهداف ناقلات النفط والمنشآت النفطية السعودية قال الأمين العام للحلف إن «إيران تزعزع استقرار المنطقة بالكامل»، وأضاف «أن تكرار هذه الهجمات قد تخلف آثارًا سلبية على المنطقة بأكملها». 

ومع أهمية دعوة ترامب فإنه من غير المتوقع توسع حلف الناتو ليشمل دولاً من منطقة الشرق الأوسط وفقًا لما تناولته بعض الكتابات تعليقًا على مقترح الرئيس ترامب لأسباب ثلاثة أولها: هوية الحلف ذاته والذي يعد إطارًا دفاعيًا جماعيًا إقليميًا لدول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية وفقًا للميثاق المنشئ للحلف، وثانيها: أنه على الرغم من أن الحلف قام بضم دول في عضويته خلال السنوات الأخيرة من أوروبا الشرقية فإن للحلف شروطا لتلك العضوية، وثالثها: أن للحلف شراكات بالفعل مع دول الشرق الأوسط وهي مبادرة الحوار المتوسطي مع سبع دول من منطقة الشرق الأوسط التي أطلقها الحلف عام 1994 ومبادرة اسطنبول للتعاون مع دول الخليج العربي وشمال إفريقيا والتي أطلقها الحلف عام 2004 وانضمت إليها أربع دول خليجية والتي تعد جزءًا من استراتيجية الحلف في أعقاب انتهاء حقبة الحرب الباردة.

ولعل إمعان النظر في رد الأمين العام للحلف على دعوة ترامب يعكس طبيعة الدور المتوقع للحلف والذي لم يعد عسكريًا بحتًا، حيث قال الأمين العام للحلف «إن الناتو يدرس خيارات مختلفة بما في ذلك زيادة دوره في تدريب قوات محلية وليس بنشر المزيد من القوات في مناطق القتال»، وأضاف «يمكن القيام بأشياء أخرى»، صحيح أن الناتو لن يتدخل إلا في حالة اجتياز الخطوط الحمراء للصراع إلا أن دعوة ترامب والرد الأطلسي عليها تثير الاهتمام لأسباب ثلاثة أولها: تحقيق الردع في مواجهة التهديدات الإيرانية بالنظر إلى الفجوة بين قوات الحلف والقوات الإيرانية، وثانيها: أن للحلف تجارب مهمة في محاربة الإرهاب وبناء القدرات الأمنية للدول ومنها تجربته في كوسوفو وأفغانستان والعراق ويمكن الاستفادة منها، وثالثها: تجربة الحلف في مواجهة تهديدات الأمن الإلكتروني وهو التهديد الذي يمثل خطرًا هائلا لدول المنطقة في الوقت الراهن. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news