العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

الثقافي

جورجي زيدان واستلهام محكي التاريخ

السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ - 10:20

عادة ما تميل الرواية إلى تمثيل الواقع بطريقة محاكاتية وبغض النظر عن ماضوية هذا الواقع أو حاضريته، وسواء أكان هذا الواقع قد حصل ومضى أو أنه حاصل ومستمر أو أنه سيحصل في القادم من الزمن وعلى وفق قانون الاحتمال الأرسطي. وبالنسبة للمحتمل الأول أعني الحدث الذي كان قد وقع ومضى، فإن الرواية هي الأنسب للتعبير عنه، نظرًا إلى قدرتها على تمثيل التاريخ بمفهومه ما بعد الحداثي الذي يعني جعل التاريخ عبارة عن سرديات لا وقائع، ليغدو تعاملنا مع القصص التاريخي كتعاملنا مع القصص الخيالي كونهما إبداعات أدبية تصاغ ضمن تصورات سردية لها طموح السرد التاريخي وهي بمثابة إنشاء سرد حقيقي كما يرى بول ريكور الذي دمج فكرة التاريخ والماضي بالموت وما مرامي المؤرخين سوى إعادة بناء الماضي، واستدانته بدين التعرف على الموتى بينما تسعى الرواية إلى إحياء هذا الماضي من موته عن طريق جعله محاكيا ولا محاكيا معا. 

وفي التاريخ شخصيات ووقائع وأحداث تصلح أن تكون مواد روائية بسبب ما تتضمنه من عناصر سردية تتعلق بالسارد والمسرود والمسرود له لغة وأبنية وانساقا وتأويلات. وفي بدايات الظهور الفني للرواية العربية كان التاريخ هو المصدر الأكثر إشباعا لحاجة الروائيين العرب مثل جورجي زيدان وفرح أنطوان ومحمد فريد أبو حديد ونجيب محفوظ وغيرهم. فلقد بهرت هؤلاء الكتّاب شخصيات تاريخية كانت قد تركت أثرا كبيرا في زمانها فاستلهموها في رواياتهم بمخيلة ثرَّة معيدين لتلك الشخصيات الحياة من جديد لتبدو متحركة ونابضة وفاعلة ومؤثرة فنيا وموضوعيا. وبعض شخصيات الروايات التاريخية رجالية كأنبياء وأولياء وقادة وفرسان وملوك وبعضها الآخر شخصيات نسائية كملكات وأميرات وفارسات وسيدات. 

ومثلما أن التوجه نحو التاريخ كان هو البداية لظهور الرواية في الغرب في حدود القرن التاسع عشر كروايات والتر سكوت وديكنز وغيرهما فكذلك اقترن ظهور الرواية العربية بالاهتمام بالتاريخ وتوظيف أحداثه وشخصياته بطريقة فنية محببة.. بيد إن الذي ميّز الرواية التاريخية العربية عن الرواية التاريخية الغربية أنها تمتح من تاريخ عريق في قدمه وغزير بأحداثه ومميز بشخصياته التي عاشت قبل الإسلام أو عاصرت ظهور الإسلام أو شهدت الأحداث الجسام التي مرّت بها الدولة الإسلامية وهي تتسيد على حضارات العالم قاطبة. 

وهكذا تلاقت الرواية العربية بالتاريخ في إطار إسلامي مما جعلها تعرف بـ(روايات تاريخ الإسلام) وجورجي زيدان هو الرائد في هذا المجال، لكن ريادته لا تقتصر على هذا التلاقي بين الرواية والتاريخ وإنما أيضا في تأصيله للاستلهام السردي للتاريخ المحكي جنبا إلى جنب التاريخ الرسمي المدون والمؤرشف، والغريب فعلا أن تكون الرواية العربية قد طرقت هذا الباب وهي ما زالت في بواكير نشأتها فتناولت موضوعات همَّشها التاريخ الإسلامي الرسمي مهتمةً بشخصيات حاول التاريخ العام تغييب دورها وتسويف إنجازاتها والتقليل من مكانتها. 

وقد كتب جورجي زيدان أكثر من اثنتين وعشرين رواية تاريخية بعضها ذات بطولات ذكورية وبعض الروايات ذات بطولات أنثوية. وقد بلغت رواياته ذات البطولات الانثوية أكثر من ثماني روايات منها فتاة غسان وعروس فرغانة وارمانوسة المصرية وعذراء قريش وفتاة القيروان وشجرة الدر وغادة كربلاء والعباسة أخت الرشيد. 

وما كان لهذا الكاتب أن يستقي أغلب رواياته التاريخية من التاريخ الإسلامي في عصره الأول والثاني لولا إفادته من كتب الأدب والتراجم والسيرة والتاريخ الإسلامي مثل الأغاني ونهج البلاغة والعقد الفريد وتاريخ ابن الأثير ومروج الذهب للمسعودي وتاريخ أبي الفداء وتاريخ الدميري وغيرها. واعتمد في توظيف تلك المصادر إطارا فنيا يقوم على تشغيل المخيلة لتغدو أساسا في تصوير الحدث التاريخي وتصعيد تطوره ليكون له بعد دراماتيكي يشوق القراء ويحبب التاريخ إلى نفوسهم ويوصل ثيمات مهمة بطريقة غير مباشرة حينا ومبطنة حينا آخر.

 ولا خفاء أن دمج الوقائعي بالخيالي سيساعد في نبش أسرار أو مسكوتات أخفاها أو همَّشها التاريخ الرسمي والعمل على كشف تلك الخفايا والهوامش كشخصيات أو أحداث سعى المؤرخون القدماء إلى تجاهلها أو تغييبها أو تسطيح شأنها تسفيها وتسويفا، وربما ماطلوا في التوثيق لها وغالطوا في نقل بعض أخبارها. 

ولو أن الرواية العربية مضت في هذا الطريق الذي اختطه جورجي زيدان لاستطعنا أن نكشف عن كثير من هوامش التاريخ العام. وكان طه حسين قد سار على طريق جورجي زيدان لكنه أضاف من عندياته إلى التاريخ الموثق متخيلا سرديا استطاع به تصعيد الحدث التاريخي ليكون متخيلا تاريخيا يسبر ما هو موثق باحثا في مغيباته. 

ومعلوم أن هناك شخصيات تاريخية كثيرة لم يعطها المؤرخ الرسمي حقها، لأن قصتها لم ترد كاملة في كتب التاريخ بل نُقلت عنها أخبار متفرقة هنا وهناك مما جعل مآثرها لا تتضح جلية ولا تغدو بطولاتها واضحة بسبب هذا التناثر والشتات في كتب التاريخ الرسمي وباختلاف فلسفات المؤرخين ورؤاهم الفكرية التي لا يخلو تدوينهم للأحداث والوقائع والشخصيات من ادلجة وتوجهات ليكون لكل مؤرخ فلسفته الخاصة في كتابة التاريخ.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news