العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تأملات في دوافع وكيمياء العلاقات الإنسانية

بقلم الشريف د. محمد بن فارس الحسين {

السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

هنالك العديد من الأشخاص الذين قد مروا بموقف أنه بمجرد ان ينظر إلى شخص ما تجده يشعر بالإعجاب تجاهه دون معرفة السبب، وتراهم يتساءلون لماذا هذا الشخص بالذات؟ في حين أنه قد لا يعلم الإجابة عن هذا السؤال لكن الدماغ لديه الإجابة بالتأكيد! فالدماغ يرى في هذا الشخص العديد من الصفات التي ينجذب لها ولكنها محفورة في العقل الباطن لذلك نراهم لا يملكون تفسيرًا محددًا لسبب إعجابهم ببعض الأشخاص من النظرة الأولى.

وإذا تأملنا في جوانب العلاقات الإنسانية وخاصة العاطفية التي ترتبط بذلك النوع من المشاعر فإن الدراسات الاجتماعية والسيكولوجية تشير إلى أن للحب ثلاث مراحل أساسية والتي قد تتوج بالزواج، فالمرحلة الأولى هي مرحلة الرغبة وهي المرحلة التي يرى فيها الدماغ صفات محددة عند الطرف الآخر فيقوم بإفراز هرمونات معينة من أجل أن ينجذب نحو هذا الشخص.

والمرحلة الثانية هي مرحلة الانجذاب وهي المرحلة التي يتم فيها افراز هرمون «الدوبامين» وهو الهرمون المسؤول عن منحنا الشعور بالسعادة وفي هذه المرحلة نصل إلى أقصى درجات الإحساس بالوقوع في الحب وغالبًا ما نقضي معظم أوقاتنا في أحلام اليقظة مع هذا الشعور.

أمّا المرحلة الثالثة فهي مرحلة الارتباط وهي المسؤولة عن تحديد مستقبل العلاقة بين الطرفين بعد المرحلة الثانية. فالارتباط هو علاقة طويلة الأمد بين طرفين تهدف إلى الاستقرار وإنجاب الأطفال. وفي هذه المرحلة يتم افراز هرمون فاسوبريسين وهو الهرمون المسؤول عن إخلاصنا ووفائنا للطرف الآخر من أجل المحافظة على الأسرة وهو أيضًا المسؤول عن تعزيز العلاقات بين الآباء وأبنائهم. وأيضًا في هذه المرحلة يتم افراز هرمون الاوكسيتوسين وهو الهرمون الذي يحفز إنتاج اللبن في ثدي المرأة بعد الإنجاب فهو هرمون الأمومة الذي يقوي العلاقة ما بين الأم وطفلها.

إن الشعور بالحب هو أحد تلك العمليات النفسية المعقدة التي تتم داخل أي إنسان في جميع مراحل العمر المختلفة، ولهذا ترى هنالك الكثير من الناس من يلتبس عليه الأمر بين العديد من المشاعر المختلفة كالإعجاب والتعوّد والمودّة والاحتياج والحب والعشق والهيام، فجميع تلك العواطف أو التغيّرات النفسية مختلفة عن بعضها اختلافًا جذريًا. فكل نوع من تلك العواطف هو تعبير عن ذلك الاحتياج النفسي الكامن في نفس المُحِب والذي يمارسه المحب لسد ذلك الاحتياج، وبالمثل فإن تلك العواطف أيضًا تحاكي احتياجًا نفسيًا آخر لدى المحبوب فتسُد ذلك الاحتياج الكامن في نفسه.

إن تلك العواطف تقوم بشكل هائل بإحداث تغيير نفسي وفسيولوجي لدى من يمارسها عن طريق أنشطة الغدد المسؤولة عن تلك العواطف التي تقوم بدورها بإفراز هرمونات أو حث الجهاز العصبي على توليد نواقل عصبية تسبب ذلك التغيّر الفسيولوجي في نفسيته. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عند توافق تلك العواطف مع الاحتياجات النفسية للطرف الآخر وهو المحبوب يحدث ما يُسمى كيمياء الحب، فإذا لم تلبي تلك العواطف تلك الاحتياجات النفسية فإن ذلك الحب سيحكم عليه بالفشل لأننا ننجذب دائمًا لمن يشبهوننا في قيمنا وتفكيرنا ومبادئنا، وتملؤنا السعادة في صحبتهم والحديث معهم ولكننا ننجذب أيضًا لمن يختلف معنا في طريقة التعبير عن تلك القيم والمبادئ التي نتشابه فيها مع الطرف الآخر، وهنا قد تنشأ أول بذور الحب. فمن يستطيع أن يتعامل مع احتياجاتنا النفسية بذكاء تراه يأسر قلوبنا ونندفع إليه من أجل تتويج ذلك الحب والمودة بالارتباط والزواج.

 فمثلاً رجل يتمتع بصفات الذكاء والجمال والتديّن سينجذب إلى امرأة أيضًا تتمتع بصفات الذكاء والجمال والتديّن ولكن عندما يرغب هذا الرجل بالزواج من تلك المرأة فإنه لن يتزوجها في حال كانت تعبّر عن سلوكها الجمالي وسلوكها في التديّن والنجاح بنفس أسلوبه وطريقته لأنه لو تزوجها سيعيش مع شخص هو بالأصل صورة طبق الأصل عن ذاته وبالتالي لن يستطيع الطرف الآخر تلبية احتياجات شريكه النفسية وهذا هو مكمن الخلاف بين الطرفين.

 فنجد الإنسان الذي يتمتع بصفات القوة والقيادة والنجاح عندما يريد أن يتزوج دائمًا ما يبحث عن امرأة تستطيع سد احتياجاته النفسية فتراه ينجح في الزواج بالمرأة التي تكون أمامه مطيعة وتكنّ له مشاعر التقدير وتكون مصدر الحنان والرقّة في حياته. وإذا أردنا زواجًا أكثر نجاحًا فيكون من خلال تكامل الشخصيات، فتجد الإنسان النرجسي يكون سعيدًا في حياته الزوجية مع الشخصية الاعتمادية لأن الاحتياج النفسي لأصحاب الشخصيات النرجسية تكمن في المبالغة بالمدح والتقدير وذكر الأعمال التي يقومون بها على بساطتها أنها نجاحات هائلة وفريدة، وبالمقابل تسعد الشخصية الاعتمادية من زواجها بالنرجسي لأنه يلبي احتياجها النفسي الذي يكمن في نكران الذات ومدح الآخرين.

 والشخصية الشكاكة تكون سعيدة في زواجها من الشخصية الانطوائية. فالاحتياجات النفسية للشخصية الشكاكة هي الصراحة والوضوح وعدم الاختلاط بالآخرين. بالمقابل فالاحتياجات النفسية للشخصية الانطوائية هي الانعزال عن الآخرين وعدم الاحتكاك بهم. وبهذا نكون قد سلطنا الضوء على الأسباب الرئيسية لحالات الطلاق بالرغم من وجود قصص الحب الرائعة بين الطرفين. إن تلك الظواهر النفسية تشبه إلى حد كبير الظواهر الفيزيائية، فالعناصر التي تتشابه في شحناتها تجدها تتنافر وتبتعد عن بعضها، والعناصر التي تختلف في شحناتها تنجذب إلى بعضها بعضًا وهذا هو حال معظمنا، فنحن نبحث دائمًا عن من يكمل نقصنا ويهدئ من روعنا، فرغم تشابه قيم ومبادئ وتفكير بعضنا وروعته وجماله تجد من هو تعيس في حياته الزوجية بسبب عدم فهمنا لاحتياجاتنا النفسية واحتياجات الطرف الآخر منّا.

إن الشعور بالحب والانجذاب للطرف الآخر هما عملية وجدانية تتطلب منا فهما عميقا لمكنوناتنا الداخلية واحتياجاتنا النفسية، لذا وجب علينا فهم ذواتنا حتى نستطيع التحكم في أنفسنا والعيش بسعادة... دمتم بكل حب وسعادة وهناء.

‭{‬ أكاديمي متخصص في العلوم 

الشرعية وتنمية الموارد البشرية

Dr.MohamedFaris@yahoo.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news