العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«النهضة التونسية» بين الوطن والآيديولوجيا

أثارت زيارة رئيس البرلمان التونسي (رئيس حركة النهضة) راشد الغنوشي لتركيا ولقاؤه المغلق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوجان ريبة أعضاء في البرلمان التونسي وجدلا واسعا في تونس، ولا سيما أنها جاءت بعد فشل المصادقة على حكومة الحبيب الجملي الذي رشحته «حركة النهضة»، إذ نال طلب مساءلة رئيس البرلمان دعم 122 صوتا مقابل رفض 20 نائبا، وتحفظ 8 نواب، وهذه المساءلة أو الريبة التي انتابت مكونات سياسية واجتماعية من الشعب التونسي ودفعت بالنواب إلى هذه الخطوة، لم تأت من فراغ وإنما جاءت على خلفية التطورات السياسية والعسكرية على الساحة الليبية والضلوع التركي المباشر في الصراع الليبي ومحاولة أنقرة جر تونس إلى المحور الداعم لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج المدعوم عسكريا من تركيا.

ما أثار حفيظة النواب التونسيين الذين دعموا هذه الخطوة وعلى رأسهم رئيسة «كتلة الحزب الدستوري»، عبير موسى، ليس فقط زيارة رئيس البرلمان لتركيا، وإنما لقاؤه المغلق مع الرئيس التركي من جهة، وتوقيتها من جهة أخرى، حيث تداخل تصاعد الدور التركي في المنطقة مع الظروف الإقليمية المحيطة بتونس والاندفاع التركي المحموم نحو الشمال الإفريقي عبر البوابة الليبية من خلال دعم حكومة السراج ومعرفة النواب التونسيين المؤيدين لهذه المساءلة بطبيعة العلاقة بين حركة النهضة وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

التوجس والريبة التونسية من التقارب علاقات القربى الآيديولوجية بين حركة النهضة وحزب العدالة في تركيا لها ما يبررها لدى شرائح وقوى سياسية ومجتمعية مختلفة، ذلك أن تركيا تسعى لخلق موطئ قدم لها على الساحة التونسية بوسائل وطرق مختلفة كما فعلت وتفعل في سوريا مثلا حيث استغلت مثل هذه العلاقة وقامت بلعب دور رئيسي في تأجيج الأوضاع الأمنية والعسكرية في سوريا من خلال احتضانها مختلف الجماعات الإرهابية وتسهيل تدفق عناصرها إلى سوريا من مختلف دول العالم فحولت الحدود السورية التركية إلى ممرات شبه آمنة لتدفق السلاح والمقاتلين.

 تركيا تنظر بأمل وتفاؤل أيضا للوضع التونسي حيث يتمتع حلفاؤها الآيديولوجيون بموقع قوي في الساحة السياسية التونسية، فالرئيس التركي رجب طيب أردوجان وخلال زيارته الأخيرة لتونس خلال تصاعد الجدل حول نية أنقرة التدخل بقوات عسكرية في الصراع الداخلي الليبي، خرج بتصريحات مفادها «اتفاقه مع تونس على دعم حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في ليبيا»، وهو الموقف الذي سارعت الحكومة التونسية إلى نفيه جملة وتفصيلا حيث شددت الرئاسة التونسية على أن تونس «لم تدخل في أي تحالف أو اصطفاف على الإطلاق»، وأن «التصريحات والتأويلات والادعاءات الزائفة» تصدر عن «سوء فهم وسوء تقدير»، وهذا النفي التونسي افسد، ربما مؤقتا، بالون الاختبار التركي.

حاول رئيس البرلمان التونسي التخفيف من حدة الانتقادات ومن الريبة التي أثارتها هذه الزيارة والاجتماع المغلق مع الرئيس التركي بالقول إنه قام بهذه الزيارة «بصفته رئيس حركة النهضة»، أي زيارة حزبية، وليس بصفته رئيسا للبرلمان التونسي، وبأنه أبلغ الرئيس قيس سعيد بالزيارة قبل بدئها، لكن هذه التبريرات لم تقنع النواب المشككين في أهداف الزيارة، وأصروا على المساءلة، ذلك أن توقيت الزيارة «الحزبية» وإضفاء الطابع المغلق على اللقاء بين الاثنين، إنما يثير التوجس لدى التونسيين خشية من أن تكون هناك أمور تجرى على حساب المصلحة الوطنية التونسية.

لا يساور أحدا الشك في أن وصول حركة النهضة التونسية إلى رئاسة البرلمان في تونس يمثل بالنسبة لأنقرة ما يشبه الخطوة التمهيدية نحو إيجاد موطئ قدم في هذه الدولة العربية، معتمدة أنقرة في ذلك على علاقة القربى الآيديولوجية بين الأخوين الإسلاميين (حركة النهضة وحزب العدالة)، فأنقرة وعبر البوابة الليبية والتونسية، تسعى إلى التعويض عن خسارتها الفادحة في مصر حيث وضعت نسبة كبيرة جدا من بيضها في السلة المصرية بعد وصول جماعة الإخوان المسلمين المصرية إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع لكنها خسرت كل مراهناتها بعد الإطاحة بحكم الإخوان على أثر الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة التي اجتاحت مدن وميادين مصر في الثلاثين من يونيو عام 2013 والتي أطاحت بحكم حلفاء تركيا ووضعهم على قائمة الإرهاب المصرية.

فالخلافات التي فجرتها زيارة الغنوشي ولقاؤه المغلق مع الرئيس التركي مرشحة للتصاعد، خاصة أن هناك اتهامات أيضا لحركة النهضة بأنها تعمل على إفشال مهمة رئيس الوزراء المكلف الحبيب الجملي لتشكيل حكومة لا تتمتع الحركة فيها بأغلبية، وربما تتحول هذه الزيارة إلى ما يشبه عود الثقاب الذي يشعل الساحة السياسية التونسية من جديد.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news