العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

منهج الإسلام في التعامل مع أصحاب الأديان (2)

بقلم: د. علي أبوهاشم

الجمعة ١٧ يناير ٢٠٢٠ - 11:48

 

مضى الخلفاء الراشدون، رضوان الله عليهم أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، على منهج القرآن وسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حُسن معاملة أصحاب الأديان الأخرى من اليهود والنصارى وغيرهم، ومما ورد في السنة المطهرة بخصوص التعامل مع أهل الكتاب وغيرهم أخرج البيهقي بسنده أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ثَلاَثِينَ مِنْ أَبْنَاءِ أصحاب رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا وَانْتَقَصَهُ وَكَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أو أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وأشار رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِإِصْبَعِهِ إلى صَدْرِهِ: أَلاَ وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخرج البيهقي في معرفة السنن والآثار: الوصاة بأهل الذمة خيرا روينا في الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرا، أن يُوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم. وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة، ومن قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله حرم الله عليه ريح الجنة. وعلى هذا المنهج سار الصحابة والتابعون إليهم بإحسان إلى يوم الدين، فأعطى الخلفاء لأهل الذمة عهودا تدور جميعها على حسن معاشرة المسلمين لهم، وكف أي يد تحاول إيقاع الأذى بهم، ونضرب لهذه العهود مثلا بعهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل بيت المقدس، والذي جاء فيه: هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتها، ولا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبها ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون علي دينهم، ولا يُضار أحد منهم، وبفضل هذه التعاليم رأينا الكنائس في بلاد الإسلام تجاور المساجد، من دون أن يتعرض لها أحد بأذى، وهو ما يعكس روح التسامح التي عُرف بها المسلمون طوال تاريخهم مع من يخالفونهم في العقيدة، هذه حقيقة ثابتة وأمر واقع مُتحقق لا شك فيه، وهذا أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب. يكتب كتابا لمن يتولى الخلافة بعده يوصيه بأهل الذمة، وهم غير المسلمين الذين لهم ذمة وعهد مع المسلمين في ديار المسلمين. 

وكان رضي الله عنه يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، فيقولون له: ما نعلم إلا وفاء، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنه يوصي غلامه بأن يُعطي جارهم اليهودي من الأضحية، وُيكرر الوصية مرة بعد أخرى حتى دُهش الغلام وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي، فقال له ابن عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه. وبمثل هذا التسامح استطاع الإسلام أن يقنع كثيرا من الشعوب بالدخول فيه طواعية واختيارا، وقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء. يقول الإمام مالك رحمه الله: بلغني أن النصارى الذين كانوا بالشام كانوا إذا رأوا الفاتحين من المسلمين قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا. ومن المفارقات الواقعة في زمننا هذا وما سبقه من أزمنة، أن هذه الصورة المشرقة من التسامح الذي عُرف به المسلمون طوال تاريخهم، تقابلها صفحات سود سطرتها أيدي غير المسلمين من أتباع الديانات والملل الأخرى من إيذاء من عاشوا معهم من المسلمين، ولا يزال هذا الحقد الأسود يمارس إلى يومنا هذا ضد المسلمين في كثير من البقاع. كما هو في بورما شعب الروهينجا وما يتعرض له من إبادة وقتل، وما وقع في أرض فلسطين من تهجير وسلب الممتلكات وانتهاك الأعراض، وما يقع في المسجد الأقصى، إذا قارنا ما في ديننا وعقيدتنا من حرص على حقوق ومودة غير المسلمين، مع ما يقوم به أتباع الديانات والملل تجاه المسلمين على مدى قرون، نرى البون شاسعا والفرق كبيرا واضحا، لأن الإسلام حكم الله وشرعه وهو القائل: «ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون». النساء: 50. وإتماما للفائدة نذكر الحقوق التي كفلها الإسلام لغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم في ديار المسلمين، ليرى الجميع مدى عدل الإسلام ورحمته بغير المسلمين في الدولة الإسلامية، فأول هذه الحقوق: المساواة أمام القضاة، إذا تحاكم الذميون إلى قضاة المسلمين جاز ذلك ويقضى بينهم بما انزل الله. وبما يقضى به بين المسلمين، يقول الله تعالى: «فإن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين». المائدة:42. وإن كان للذمي حق عند أكبر الشخصيات في الدولة الإسلامية فله حق مقاضاته. ومن ذلك فقد وجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) درعه عند يهودي فكلمه فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين فأتيا شريحًا القاضي، فقال علي: إنها درعي فقال شريح: لا بد من شاهدين، فدعا قنبر وولده الحسن فشهدا أنها درعه، فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ولدك لك فلا نجيزها، فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. قال: اللهم نعم. قال: أفلا تجيز شهادة سيد شاب أهل الجنة؟ قال: إنه ولدك، ثم قال لليهودي: خذ الدرع. فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي ورضي، صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك سقطت عن جملك فالتقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فوهبها له علي رضي الله عنه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news