العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم
«فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ» (1)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ١٧ يناير ٢٠٢٠ - 11:47

تحدثت آيات القرآن الكريم عن كيفية نشوء الكون وعن نهايته، في جمل حاسمة وحازمة يجب أن يتوقف عندها الإنسان ليتفكر ويتدبر. يتفكر في كيفية خلق هذا الكون الواسع المترامي الأطراف وقد خلقه القادر ذو القوة المتين من فتق بعد رتق، قال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ» (الأنبياء: 30). 

ويستعرض العالم الفيزيائي (ستيفن هوكينج) تصوره لتكون مادة الكون الأولى كالآتي: في اللحظات الأولى للانفجار، حيث بلغت درجة الحرارة عشرة آلاف مليون درجة مئوية، كانت مكونات الكون هي الإشعاع (الإلكترونات) و(النيوترينات) و(البروتونات) و(النيوترونات)، وبعد إحدى عشرة ثانية من الانفجار العظيم انخفضت درجة الحرارة إلى ثلاثة آلاف مليون درجة، وكانت هذه الدرجة تزود الكون بحرارة كافية لإفناء المكونات الأساسية لمادة الكون، حيث أخذت الالكترونات والبروتونات تفني بعضها بعضا وتختفي بسرعة هائلة، وأخذت الطاقة المتحررة من إفناء المادة تبطئ المعدل الزمني الذي يبرد فيه الكون.

وعند انخفاض درجة الحرارة إلى ألف مليون درجة أو نحوها -وهذه تعادل خمسين ضعفا قدر درجة حرارة مركز الشمس- تغلبت قوى الجذب على طاقة حركة البروتونات والنيوترونات، وبدأت في الدقائق الأولى تكون نويات لبعض العناصر الخفيفة مثل الهليوم والهيدروجين والليثيوم، ويستمر الكون في التمدد نحو خمسمائة ألف عام، وتنخفض درجة حرارته إلى ما دون المائة ألف درجة، فتتغلب قوى التجاذب بين النويات والإلكترونات، وتنفصل المادة عن الإشعاع، فتتجمع سحب الهيدروجين والهليوم في شكل سدم، ثم تتقارب بتأثير الجذب فيما بينها وتتصادم، ويؤدي ذلك التصادم إلى رفع درجة الحرارة إلى حد يكفي لاندماج ذرتي هيدروجين لتكوين ذرة هليوم، ثم تزيد الحرارة المرتفعة بسبب التصادم من طاقة حركة الجسيمات فلا تسمح بمزيد من التقارب لمكونات السدم، ويبقى تحول الهيدروجين إلى هليوم مصدرا للضوء والحرارة التي تبعثها النجوم ومنها شمسنا. وعندما حدث الانفجار العظيم بالكتلة الأولية اندفعت المواد المشحونة داخلها إلى خارج الكتلة، فتولدت منها حركة دورانية، وبعد انخفاض طاقة المواد المتفجرة بدأت الكتل المادية تنكمش وتتجمع، وبمرور الزمن ازدادت كثافتها فظهرت الجاذبية التي قامت بتجميع الكتل المادية على بعضها بعضا، مكونة السحب الكونية، والسدم الضخمة، والتي أخذت بالتلاحم وأدى تجمعها إلى تكون المجرات العملاقة.

ويبدو الكون بلا حدود معروفة يعجز العقل البشرى عن الإحاطة بها، بل يتوسع باستمرار كما جاء في قوله تعالى: «وَالسمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنا لَمُوسِعُون» (الذاريات: 47). 

ولقد تمكن العالم الفلكي (أدوين هابل) من خلال أبحاث متعمقة تعرف بأبحاث (الإزاحة الحمراء) لأطياف المجرات أن يثبت أن المجرات تتباعد عن بعضها بعضا، وأن الكون في تمدد واتساع مستمر مصداقا للآية الكريمة، وكلما ازدادت المجرات بعدا ازدادت سرعتها في التباعد عن بعضها بعضا. وقد تمت هذه الأبحاث في عام 1921، إلا أن آينشتاين كان قد سبقه بستة أعوام من خلال حله معادلات النظرية النسبية العامة، وتطبيقها على الكون، والتي استنتج منها أن الكون غير مستقر. وكانت نظرية الانفجار العظيم امتدادا لتلك الفكرة التي نشأت عام 1950، ومفادها أن الكون مادام في اتساع مستمر فإنه لا بد أن يكون قد انطلق من نقطة ما وانفجر عنها، وذلك قبل 15 ألف مليون عام قدر أنها عمر الكون. 

وكما خلق الله سبحانه وتعالى ذلك الكون في خلق مبدع، وتوسع مستمر، وضع نهاية حاسمة له في قوله تعالى: «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» (الأنبياء: 104).

ويعتقد أن الثقوب السوداء قد تكون هي الأداة الكونية التي سخرها المولى عز وجل لطي السماء وما يحيط بها من أجرام، للعودة إلى رتق الكون كما كان في نقطة متفردة كما بدأ، فما هي الدلالات العلمية المتوافرة حاليا لدينا لمحاولة فهم الآية الكريمة التي أشارت إلى نهاية الكون؟ 

وحتى نستطيع الوصول إلى فهم وتفسير هذه الآية الكريمة -قدر ما يستطيع العقل البشرى القيام به- نحاول التعرف على تلك الثقوب السوداء التي قد يكون لها دور ما في إرجاع الكون إلى نقطة بدايته الأولى. وهل هي ما أشارت إليه الآية الكريمة «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ» (التكوير: ‏15-16)؟

عرف علماء وكالة (ناسا) للفضاء الثقوب السوداء (Holes Black) بأنها مناطق في الكون ضُغطت بشكل كبير، فتجمعت فيها المادة بكثافة عالية جدا بشكل يمنع أي مادة أو إشعاع من مغادرتها، حتى أشعة الضوء لا تستطيع الهروب من هذه المنطقة. ويتشكل الثقب الأسود عندما يبدأ أحد النجوم الكبيرة بالانهيار على نفسه نتيجة نفاد وقوده، ومع أن الثقب الأسود لا يُرى فإنه يمارس جاذبية فائقة على الأجسام من حوله؛ ففي عام 1915 توقعت نظرية النسبية العامة لآينشتاين وجود هذه الأجسام في الفضاء وأثرها على الزمان والمكان، وأخيرا في عام 1967 تحدث الأمريكي (جون ولير) عن الثقوب السوداء كنتيجة لانهيار النجوم. وفي عام 1994 أثبت العلماء بواسطة مرصد (هابل) وجود جسم غير مرئي في مركز المجرة (M87) ويلتف حوله الغاز في دوامة واضحة، وقد قدروا وزن هذا الجسم بثلاثة آلاف مليون ضعف وزن الشمس، ثم توالت الأدلة على وجود هذه الأجسام بواسطة الأشعة السينية. ويتميز الثقب الأسود بجاذبية فائقة، ولذلك فإن أي غاز قريب منه سينجذب إليه ويدور في دوامه عنيفة مولدا حرارة عالية نتيجة هذا الدوران مثل الإعصار السريع، هذه الحرارة تبث الأشعة السينية باستمرار، وهذه الأشعة يمكن للفلكيين التقاطها بسهولة بواسطة أجهزتهم، وبذلك يعلمون أن هذه المنطقة تحوي ثقبا أسود.

وسأعتمد فيما سأورده هنا على الورقة العلمية النهائية التي صدرت عن العالم البريطاني ستيفن هوكينج قبل وفاته، والتي نشرتها جريدة الديلي ميل البريطانية من قبل فيزيائيين عملوا مع عالم الكونيات في بحثه الطويل، من أجل فهم ما يحدث عندما تقع الأجسام في الثقوب السوداء.

وقد أثبت هوكينج نظريا أن الثقوب السوداء تصدر إشعاعا على عكس كل النظريات المطروحة آنذاك، وسمي هذا الإشعاع باسمه (إشعاع هوكينج). فهل أثبتت الأبحاث العلمية أن هذه الثقوب لها دور في عملية نهاية الكون؟ 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news