العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (109)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١٧ يناير ٢٠٢٠ - 11:46

مختارات من أحاديث الإمام الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الأزهر (12)


 المرحلة المصرية (88):

إشاعات السوء وموقف الإسلام منها

إشاعات السوء عن شؤون الأمة وسير أعمالها وأهداف إصلاحاتها ومقاصد رجالها لا تقل ضررًا في كيان الأمة وسلامة الوطن عن التجسس للعدو على دخائلنا ومواطن قوتها وضعفها. فكل ذلك خدمة للعدو وموالاة له وقد خاطب الله المسلمين بقوله: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) [الممتحنة: 1].

بل إن موالات العدو – في حال عداوته – وترويج ما ينفعه في مضرة الإسلام وأهله تخرج الموالين له عن تبعيتهم لأمتهم، وتلحقهم بأمة عدوهم، وفي ذلك يقول عز وجل (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) [المائدة: 51].

ترويج إشاعات السوء:

ومن أشد ما يوالي به المنافقون من يكيدون للأمة من أعدائها ترويج إشاعات السوء، والإصغاء إليها، وقد ورد في ذلك قول الله عز وجل:

(لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً) [الأحزاب: 60-61].

وكان مما كانوا يرجفون به ما ذكره الله عنهم في قوله عز وجل (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) [الأحزاب: 12] ولهؤلاء المنافقين خلفاء في كل عصر من عصور الإسلام وفي كل وطن من أوطانه، يخذلون الناس عن أئمتهم وولاة أمرهم ويشيعون السوء عن برامجهم وخططهم وهذا مرض في القلوب كما وصفه الله عز وجل، وعلى من يصاب بهذا المرض أن يعالج نفسه قبل أن يُعَالَج بأحكام الله.

وفي هؤلاء أيضًا ورد قوله سبحانه (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به (أي أفشوه حيث لا يكون من المصلحة العامة إذاعته وإفشاؤه) وقد يكون ما يذيعونه كذبًا ويضر بالمصلحة فيكون ذلك من الإثم المزدوج الذي طهر الله منه قلوب المؤمنين.

واللائق بالمسلمين إذا سمعوا مقالة السوء أن يكونوا كما أراد الله للمسلمين في قوله عز وجل (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين) [النور: 12] إلى أن قال سبحانه (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم) [النور: 15-16]، ولما عاد المسلمون من غزوة أحد كان فيهم من اختلفوا في أمر المنافقين والمرجفين فقال فريق للنبي صلى الله عليه وسلم: (اقتلهم) وقال فريق: (لا تقتلهم) فنزل في ذلك قول الله عز وجل (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) [النساء: 88]، وفي ذلك ورد الحديث النبوي (إنها طيْبه – أي: المدينة – تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الحديد)، وفي رواية (خبث الفضة)، وأول فتنة في الإسلام وهي الجرأة على خليفة رسول الله وصهره سيدنا عثمان، كان منشؤها إشاعات السوء الكاذبة، وتضليل البسطاء وضعاف الأحلام فجر ذلك على الأمة من الضرر ما لم تتوصل إلى مثله الدول المعادية بما لديها من جحافل وقوات حربية.

وفي الليلة الأخيرة قبل نشوب حرب الجمل توصل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفريقين إلى التفاهم على ما يرضي الله عز وجل من إقامة الحدود الشرعية على من يثبت أن له يدا في مصرع أمير المؤمنين عثمان، وبات أبناء كل فريق في معسكر الفريق الآخر بأنعم ليلة، وأسعدها، وأرضاها الله، فما كان من قتلة عثمان، ومن يتبعهم من قبائلهم إلا أن أنشبوا القتال في الصباح الباكر وأشاعوا في كل معسكر من المعسكرين بأن المعسكر الثاني هو المهاجم له على خلاف ما اتفقوا عليه بالأمس، وبذلك كانت الإشاعات بين الطرفين أفتك بهما وأضر على الإسلام من أسلحة البغاة الفاتكة.

أيها المسلمون!

إن إشاعات السوء سلاح العدو والذي يصغي إليها يمكن العدو من الفتك بالوطن والأمة (وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم) [النور: 15]، فاعملوا في ذلك بهداية الله عز وجل وإرشاده حين يقول: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [النور: 16]، وعلى ولاة الأمر أن يتصرفوا فيمن يثبت عليهم ذلك وفقًا لحكم الله تعالى حين يقول لنبيه: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً) [الأحزاب: 60-61].

إن الأمة اليوم تجتاز مرحلة من أدق مراحلها في تاريخ نضالها العنيف هي مرحلة تقرير المصير وهذه المرحلة -بما لها من الحظ والأثر في مستقبل الأمة وحاضرها- تقتضي منا أن نتيقظ لكل ما يراد بنا، سواء من العدو الغاصب أو من أعوانه، وأن نحذر دعاة الفتنة والذين يعملون على إشاعتها بين طبقات الأمة، ولنعلم أن هؤلاء وأولئك يستهدفون غرضًا واحدًا ويعملون لغاية واحدة هي: تمزيق شمل الأمة وتشتيت الجمع وتفريق الكلمة وإشاعة الكراهية بين الحاكم والمحكوم، وإلقاء العداوة بين المؤتمين والمأموم، وهم بهذا يعملون للفتنة ومن أجلها وإذا ما تحققت غايتهم فإن الفتنة لا تعيبهم وحدهم ولا تصيب طائفة دون أخرى وإنما تصيب الأمة بأسرها.

وقد حذرنا الله تعالى منهم ومن فتنتهم فقال -جل شأنه- (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) [الأنفال: 25]. واتقاء الفتنة يكون بدفعها وإدحاضها وإنزال العقوبة الرادعة على كل من يثبت أنه كان سببًا أو في عنصر من عناصرها، ويرى علماء الشافعية أن تكون العقوبة هي (الإعدام) لكل من يثبت عليه أنه أحدث بين المسلمين فتنة، وأما علماء المالكية فإنهم يتركون الحد على هذه الجريمة لاجتهاد الإمام أي: الحاكم، ومن هنا نرى أنه لا سبيل إلى الهوادة أو المهاونة في إقامة الحد على هذه الجريمة النكراء، جريمة إحداث الفتنة بين الصفوف، مناصرة لعدو البلاد الأكبر وهو المستعمر الغاصب.

فلنتق الله في أمتنا ووطننا، وتقوى الله تدفع كل شيء وتحول دون أي مكروه. والله يوفقنا إلى ما فيه النُّجْح والرشاد.

(مجلة الأزهر ج2 م25 – صفر 1373هـ / أكتوبر 1953م).

(وإلى حديث آخر إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news