العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

تجارة مع الله: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا

الجمعة ١٧ يناير ٢٠٢٠ - 11:44

بقلم: رجاء يوسف لوري

يظن الكثير من الناس أنه إن تاب من المعصية غُفرت له وخرج منها، إن هذا صحيح شرعًا في الحقوق التي بين العبد وربّه، أما المظالم والحقوق التي تتعلّق بين العبد والعبد من أكل أموالهم وقذف الأعراض والغيبة والنميمة.. وغيرها، فلا تكفي فيها التوبة فقط، بل لا بد من ردّ حقوقهم إليهم في الدنيا -بعد التوبة منها- أو طلبهم المسامحة فيها، فلا تكمل التوبة منها إلا بذلك. 

جاء في الحديث: (مَن كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، مِن قَبْلِ أنْ يُؤْخَذَ لأخِيهِ مِن حَسَناتِهِ، فإن لَمْ يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخِيهِ فَطُرِحَتْ عليه).

الراوي: أبو هريرة (المحدث: البخاري -المصدر: صحيح البخاري

الصفحة أو الرقم: 6534/ خلاصة حكم المحدث: (صحيح) 

و(رَحِمَ اللهُ عبدًا كانت لِأَخِيهِ عنده مَظْلِمَةٌ في عِرْضٍ أو مال، فجاءه فاسْتَحَلَّهُ قبلَ أن يُؤْخَذَ وليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ، فإن كانت له حسناتٌ أُخِذَ من حسناتِه، وإن لم تكن له حسناتٌ حَمَّلُوا عليه سيئاتِهِم) 

الراوي: أبو هريرة (المتحدث: السيوطي) المصدر: الجامع الصغيرة الصفحة أو الرقم: 4417 خلاصة حكم المحدث: صحيح.

شرح الحديث: حرَّم اللهُ تعالى الظُّلمَ على نفْسِه، وجَعَله محرَّمًا بينَ عِبادِه، وتوعَّد الظالمين بالقِصاصِ منهم والعذابِ، فإن أَفْلَتَ الظالِمُ في الدُّنيا بظُلمِه، فلا مَفَرَّ له يَومَ القِيامةِ ولا مَلْجَأَ له مِن الله، حَيْثُ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ؛ ولذلك أمَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ مَن ظلَم أحدًا في عِرْضِه أو شيءٍ آخَرَ أن يَتحلَّلَه، يعني: يَطلُب منه أن يُحِلَّه ويُسامِحَه؛ لأنَّه إن لم يَفعَلْ ذلك أخَذ هذا المظلومُ مِن حَسناتِه يومَ القيامةِ، فإن لم يكن له حسناتٌ وُضِع من سيئاتِ هذا المظلومِ على الظالِمِ -والعياذ بالله تعالى- وفي الحديثِ: التَّحذيرُ من مَغَبَّةِ الظُّلمِ وعاقبتِه. من الدرر السنيّة.

- عن سلمانَ الفارسيِّ، وسعدِ بنِ مالكٍ، وحذيفةَ بنِ اليمانِ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، حتَّى عدَّ سِتَّةً أو سبعةً من أصحاب النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالوا: «إنَّ الرَّجلَ لتُرفعُ له يومَ القيامةِ صحيفتُه حتَّى يرَى أنَّه ناجٍ، فما تزالُ مظالمُ بني آدمَ تتْبعُه حتَّى ما يبقَى له حسنةٌ! ويُحملُ عليه من سيئاتِهم».

الراوي: عبدالرحمن بن مل النهدي أبو عثمان/ المحدث: المنذري/ المصدر: الترغيب والترهيب الصفحة أو الرقم: 3/198/ خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد.

حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا:

جاء في الأثر عن عُمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: «حاسِبوا أنفُسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا، أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيّنوا للعرض الأكبر (يومئذٍ تُعرضون لا تخفى منكم خافية) (سورة الحاقة: 18) رواه ابن أبي الدنيا في كتابه (مُحاسبة النفس)، والإمام أحمد في كتابه (الزهد).

- عَنْ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: 

(إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا حتَّى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا، أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لأحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا).

الراوي: أبو سعيد الخدري/ المحدث: البخاري/ المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2440 خلاصة حكم المحدث: (صحيح).

 شرح الحديث: في هذا الحديثِ مَشْهَدٌ مِن مَشاهِدِ يومِ القِيامَةِ المَهُولَةِ العَظِيمَةِ، حَيْثُ يُحبَسُ المؤمنون بعدَ أن يَتجاوزوا الصِّراطَ ويُنَجِّيَهم الله تعالى بفضلِه ورحمتِه مِن النارِ، فتُوقِفُهم الملائكةُ على قَنْطَرَةٍ أو جِسْرٍ بينَ الجنَّة والنارِ، فيَتقاصُّونَ مَظالِمَ كانت بَيْنَهم في الدُّنيا، يعني: يَقْتَصُّ المظلومُ مِن ظالِمِه حقَّه الَّذِي اعتدَى عليه في الدُّنيا، حتَّى إذا طُهِّروا وتخلَّصوا من حقوقِ الناس أُدخِلوا الجنَّةَ، وهم أعرَفُ بمنازِلِهم فيها مِن أهلِ الدُّنيا بمنازلِهم.

وفي الحديثِ: التَّحذِيرُ مِن المظالِمِ، والتَّأْكِيدُ على أنَّه ما مِن حَقٍّ إلَّا سَيرجِعُ لِصاحِبِه يومَ القِيامَةِ؛ فَلْنَعْمَلْ لِمِثْلِ هذا اليومِ العظيمِ.

من الدرر السنيّة.

- «أَتَدْرُونَ مَن المُفْلِسُ؟ 

قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ.

 فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإن فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ».

الراوي: أبو هريرة/ المحدث: مسلم/ المصدر: صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2581/ خلاصة حكم المحدث: (صحيح). 

شرح الحديث: في هذا الحديثِ أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سألَ أصحابهُ: أَتدْرونَ، أي: أَتعلَمونَ مَن الْمُفلِسُ؟

فَأجابوا: الْمُفلِسُ فينا، أي: فِيما بَيننا مَن لا دِرهمَ له، أي: مَن لا يملكُ مالاً، ولا متاعًا، أي: مِمَّا يَحصُلُ به النَّقدُ ويُتمتَّعُ به مِنَ الأقمشةِ والجواهرِ والْمَواشي والعبيدِ، وأمثالِ ذلك، والحاصلُ: أَنَّهم أجابوا بما عندَهم مِنَ العِلمِ بِحسَبِ عُرْفِ أهْلِ الدُّنْيا، كما يدلُّ عليه قولُهم: (فِينا)، وغَفلُوا عَنْ أمْرِ الآخرةِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:

إنَّ الْمُفلِسَ مِن أُمَّتِي، أي: المفلسُ الحقيقيُّ، أو الْمُفْلِس في الآخرةِ، مَن يأتي يومَ القيامةِ بِصيامٍ وصلاةٍ وزكاةٍ، أي: مَقبولاتٍ، ويأتي أيضًا، أي: ويَحضُرُ وقد شَتمَ هذا، أي: وَقعَ له شَتْمٌ وسبٌّ لأحدٍ، وقذَفَ هذا، أي: بِالزِّنا ونحوِه، وَأكلَ مالَ هذا، أي: بِالباطلِ، وسفَكَ دمَ هذا، أي: أَراقَ دمَه بِغيرِ حقٍّ، وضرَبَ هذا، أي: مِن غيرِ استحقاقٍ أو زيادةٍ على ما يَستحِقُّه، والمعنى: مَن جمَعَ بَيْنَ تلك العِباداتِ وهذه السَّيِّئاتِ؛ فَيُعْطَى هذا، أي: المظلومُ مِن حسناتِه، أي: يُعطى المظلومُ بَعضَ حَسناتِ الظَّالِمِ، وهذا، أي: ويُعطَى المظلومُ الآخَرُ بعضَ حَسناتِه، فإن فَنِيَتْ حَسناتُه: أي نَفِدَتْ قَبْلَ أنَّ يُؤدِّيَ ما عليه مِنَ الحقوقِ، أَخَذَ الظالِمُ مِن خطاياهم، أي: مِن سيِّئاتِ أصحاب الحقوقِ؛ فَطُرحتْ على هذا الظالِم أو وُضعَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ، أي: أُلْقِيَ ورُمِيَ في النَّارِ.  وفيه إشعارٌ بِأنَّه لا عَفوَ ولا شفاعةَ في حقوقِ العبادِ إلَّا أنْ يَشاءَ اللهُ، فَيُرضِي المظلومَ بِمَا أرادَ.  في الحَديثِ: بيانُ مَعنى الْمُفلِسِ الحقيقيِّ، وهو مَنْ أخَذَ غُرماؤُه أعمالَه الصَّالحةَ.

وفيه: أنَّ القِصاصَ يأتي على جميعِ الحسناتِ، حتَّى لا يُبقي منها شيئا -والعياذ بالله تعالى- الدرر السنيّة. إنه من الصعب على النفس البشرية أن تعترف بخطئها، فعندما يدوس المرء على كبريائه ويكسر غرور نفسه ويجبرها على الاعتراف والاعتذار، فتلك فضيلة عليك تقديرها لمن جاءك نادمًا خجلاً ووجب عليك أن تسامحه وتعفو عنه، فإن لم تقبلها، فإنك تأثم: 

- (من اعتذر إلى أخيه المسلمِ، فلم يقبَلْ منه كان عليه مثلُ خطيئةِ صاحبِ مُكْسٍ) الراوي: جودان/ المحدث: المنذري/ المصدر: الترغيب والترهيب الصفحة أو الرقم: 4/3/ خلاصة حكم المحدث: (روي) بإسنادين جيدين وجودان مختلف في صحبته.

والْمكْسُ: الْجبايَةُ، وغَلَبَ استعمالُه فيما يَأخُذه أعوانُ الظَّلمةِ عِند البيعِ والشِّراءِ- من الدرر السنيّة.   فاقبل عذر أخيك وارحم كسره وبدون أي عتاب أو لوم - كما قال سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، عندما قال له إخوته: 

(وإن كنا لخاطئين) قال لهم: (قال لا تتريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) 92-91 سورة يوسف) وأنت يا أخي وأنتِ يا أختي، استجمع جرأتك وشجاعتك، واعترف بخطئك وبادر وسارع من التحلل ممن أخطأت في حقهم سواء كان ماديًا أو معنويًّا. 

وإلى كل من يقرأ مقالي هذا: سامحوني وحللوني.

اللهم إنّ لك علينا حقوقًا فتجاوز عنها.. ولعبادك علينا حقوقًا فتحملها عنا بجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

 ‏‏(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (سورة الحشر: 10).

ilalah@windowslive.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news