العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عندما عشنا على هامش القرن الـ20

كادت أول طائرة نفاثة تحلق في أجواء بلدتنا أن تصيب أهل البلدة بنوبات قلبية جماعية لأنهم حسبوا أن الخيط الأبيض الذي خلفته وراءها ما هو إلا انشقاق السماء إيذانا بطي الأرض والسماء، وأذكر كيف هرع الناس فزعين جزعين إلى جدي الحاج فرحان معلم القرآن ليطمئنهم بأن القيامة لم تقم ووجدوه جالسا على كرسي أمام بيته ويقرأ بصوت عال: «إذا السماء انشقت....» فبدأ العويل وطلب العفو من الوالدين والدائنين والجيران.

وكما أوردت هنا في سلسلة مقالات جمعتها لاحقا في كتاب بعنوان «سيرة وطن في مسيرة زول» انتقلنا إلى المدرسة المتوسطة وكانت تحيط بها قطعتا أرض خلاء من الشمال والجنوب بينما تطوقها مزارع على امتداد البصر من جهة الشرق. كنا نجلس عادة كالتماثيل في حجرات الدراسة كعادة أبناء جيلنا حيث ما كان يحق لنا أن نهرش رؤوسنا عند التعرض للسعات القمل من دون إذن من «الأفندي» الذي هو المدرس، عندما تناهى إلى اسماعنا دوي خافت، سرعان ما انقلب إلى زمجرة غاضبة، ثم بدأت جدران المدرسة في الاهتزاز فانهار النظام والانضباط في المدرسة وبدأنا في الصراخ والعويل، وسكننا ذلك النوع من الرعب الذي يشل الحركة عندما رأينا طائرا ضخما يدور حول القبة التي كانت تتوسط مبنى المدرسة وهو يزوم ويئن في غضب ظاهر فغادرنا غرف الدراسة وبدأنا نصيح: يا الله يا لطيف، عبدك الفاني الضعيف. امسك غضبك عنا يا أرحم الراحمين! بدأ كل منا يقول ما قاله عادل إمام في مسرحية شاهد ما شافش حاجة عندما اتجه الأسد نحوه: ده جاييلي أنا بقى (بأه)! لا أذكر أنني ارتعبت طوال حياتي بتلك الدرجة! كنا جميعا نبكي ونصيح، وبعضنا افرغ مثانته في ملابسه!

وتحول العويل إلى هستيريا عندما شاهدنا ذلك الطائر يلامس الأرض شمالي المدرسة فاندفعنا صوب الجنوب، وبعضنا ألقى بنفسه في النهر وسبح في اتجاه جزيرة نهرية تقع غرب المدرسة، ويبدو أن إدارة المدرسة والمشروع الزراعي تكاتفا لإعادتنا إلى المدرسة لأن عددا من السيارات انطلق في أكثر من اتجاه تبحث عنا وتنصحنا بالعودة من حيث اتينا ولكن هيهات: أوامر المدرسين عادة على العين والرأس، ولكن ليس عندما يتعلق الأمر بالحياة والموت! وبعد مضي نحو ثلاث ساعات على فرارنا الجماعي رأينا المئات من الأهالي يتدفقون صوب المدرسة فاستجمعنا ما تبقى من شجاعتنا واتجهنا صوب الميدان الذي تجمع فيه خلق كثير ورأينا الطائر العجيب راقدا على بطنه وحوله أناس من أهل البندر (عرفناهم من جلودهم الناعمة الطرية)! اقتربنا أكثر وسمعنا أحدهم يقول إن الطائر هليكوبتر (فسر الماء بالماء) وانهم أتوا في مهمة تتعلق بتحديد موقع المستشفى الجديد! يا أولاد الذين: هل تريدون إصابة أهل المنطقة بذبحات صدرية لتبرير إنشاء المستشفى؟ ومن قال لكم إننا بحاجة إلى مستشفى وعندنا البصير (الطبيب البلدي) ونباتات طبية مثل القرض والحلبة والهمبورانج والحرجل، وعندنا أخصائيون في «العمل» وتكتيف الجن؟ المهم أننا لم نصدقهم إلا بعد أن أكد لنا ناظر المدرسة أن ذلك البتاع نوع من الطائرات، بل وأبلغنا أن طاقمه على استعداد لأخذ بعضنا في جولة قصيرة فوق سماء البلدة فما كان منا إلا أن انطلقنا هاربين مجددا في كل اتجاه، ثم خارت قوانا بعد أن انطلق ذلك «الهلاك – أوبتر» الطائر وبدأ يمارس ساديته بمطاردتنا فسقط معظمنا أرضا وهو يردد الشهادتين! وهدأت الأحوال ووقف احد المدرسين «المتحضرين» يقول لنا: الله يفضحكم يا بهائم! خايفين تروحوا جهنم؟ بلدكم دي ذاتها قطعة من جهنم يا برابرة يا حطب النار! والبرابرة اسم أطلقه عرب السودان على أهلي النوبيين!! نزل كلامه العنصري هذا علينا بردا وسلاما فالشتيمة خير من الموت على يد طائر أسنانه الدوارة على رأسه!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news