العدد : ١٥٤٥٠ - السبت ١١ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٠ - السبت ١١ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

روسيا وتركيا تديران الأزمة الليبية

كما آل الملف السوري إلى الإرادتين الروسية والتركية، بعد تراجع وانحسار الدور العربي في هذا الملف الخطير، فإن الصورة الآن تتكرر أيضا فيما يتعلق بالملف الليبي، وكما أثبتت الجامعة العربية فشلها في معالجة الملف السوري، إن لم نقل إنها بقراراتها الخاطئة فيما يتعلق بهذا الملف قد ضاعفت من تعقيدات الأزمة وساهمت في تحويلها إلى أزمة صراع مصالح إقليمية ودولية، فإن الجامعة كررت نفس الأخطاء بالنسبة للأزمة الليبية أيضا ومنذ بدايتها، حيث اختارت الجامعة الانحياز وتأييد الأطراف الإقليمية والدولية التي لها أهداف مخالفة تماما عن الأهداف المعلنة والكاذبة، التي اتخذتها أقنعة لإيصال ليبيا، ومن قبلها سوريا إلى الأوضاع التي تمر بها الآن.

لن ينفع الان تعداد مواقف الجامعة العربية من الأزمتين السورية والليبية والقرارات التي اتخذتها في شأنهما، والعجز الذي أظهرته الجامعة في معالجة أي من الأوضاع والمشاكل والأزمات العربية، فهذا الضعف من جانب الجامعة شجع الكثير من الأطراف الإقليمية للدخول مباشرة كلاعبين مؤثرين ورئيسيين في الكثير من الشؤون الداخلية، فقطار الأزمة السورية وكذلك الليبية قد ابتعد كثيرا جدا عن المحطات العربية بعد أن وضعته العديد من القوى الإقليمية والدولية على قضبان سككها.

بعد مضي أسابيع قليلة من صدور قرارات الجامعة العربية بشأن رفض أي تدخل خارجي في الأزمة الليبية، واكتفاء الجامعة، كما هو مألوف ومعروف، بوضع قراراتها في أجندات الحفظ الخاصة بها، التقطت كل من روسيا وتركيا زمام المبادرة في الأزمة الليبية، ودخلتا بشكل مباشر ومكشوف على خط الأزمة وإدارتها بعيدا عن أي تأثير أو دور معلن من جانب الجامعة العربية، بل إن الدعوة إلى وقف القتال بين أطراف الصراع الليبي صدرت عن لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوجان خلال لقائها الأسبوع الماضي في إسطنبول.

روسيا منذ فترة طويلة تعمل على إحياء وإعادة جزء من الدور الذي كان يلعبه الاتحاد السوفيتي السابق على الساحة الدولية، وهي تعمل جاهدة للاستفادة من الإرث التاريخي لعلاقات الاتحاد السوفيتي مع دول المنطقة ومنها بطبيعة الحال كل من سوريا وليبيا اللتين كانتا ترتبطان بعلاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، وقد نجحت روسيا جزئيا في ذلك، خاصة في سوريا، حيث تحتفظ الآن بقاعدة بحرية كبيرة وبوجود عسكري مؤثر، جعلها اللاعب الأول في الأزمة السورية، وبالقدر نفسه تعمل على تكرار ذلك في ليبيا أيضا، أما تركيا فهي تحاول تكرار دورها السوري في الأزمة الليبية من خلال علاقاتها مع حكومة فايز السراج.

في الأزمتين السورية الليبية، فإن علاقات المصالح هي التي تحرك أدوار القوى الإقليمية والدولية، ولكن هناك أيضا فرق بين هذه القوى الدولية أو تلك، فالحقيقة التي يجب أن تقال هي أن روسيا ليست لها أطماع استغلالية كما هو حال القوى الاستعمارية الغربية بالدرجة الأولى، أما تركيا فهي تحاول استعادة جزء من هيبتها الإمبراطورية في المناطق التي كانت تشكل جزءا من الإمبراطورية العثمانية قبل هزيمتها في الحرب العالمية الأولى واقتسام القوى الاستعمارية مناطق نفوذها.

هذا يقود إلى القول إن الأزمات التي تمر بها بعض الدول العربية، والتي تتحمل بعض الدول العربية جزءا من أسباب استمرارها، هي أزمات تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية أكثر مما تخدم مصالح شعوب هذه الدول، فعلى سبيل المثال فإن الشعبين السوري والليبي لم يستفيدا إطلاقا من تفجر الأوضاع في بلديهما، بل على العكس من ذلك فإن جميع الخسائر التي تسببت فيها الأحداث تحملها الشعبان الشقيقان، فيما ربحت أطراف إقليمية ودولية مكاسب سياسية كبيرة، ناهيك عن الفوائد الاقتصادية المرتقبة والتي تعتبر جزءا من أسباب تفجير الأزمات في أكثر من منطقة، ومنها بطبيعة الحال المنطقة العربية.

حصيلة ما يمكن الوصول إليه هو أن الأزمة الليبية وكذلك السورية يمكن القول، بل والجزم، أنهما خرجتا من محيطهما العربي تماما، رغم كل التصريحات والمواقف التي تصدر عن هذه الجهة العربية أو تلك، بما في ذلك الجامعة العربية التي يفترض أنها تمثل الصوت العربي «الموحد»، فاللاعبان الروسي والتركي هما اللذان يديران الملف الليبي تقريبا، كما هو الحال أيضا بالنسبة لملف الأزمة السورية، هذا لا يعني انتهاء أدوار القوى الدولية الأخرى، أو التسليم النهائي بالإدارة الروسية والتركية لملفي الأزمتين، لكن أدوار تلك الأطراف لم تعد هي الحاسمة، كما هو حال أدوار الدول العربية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news