العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

قد أكون شجاعا دون أن أدري (2)

قلت أمس إنني قضيت سنوات طويلة من عمري وأنا مدرك أن الشجاعة تنقصني في مواجهة القطط ولصوص البيوت ليلا (في الحالتين) وعند التعامل مع الطائرات خصوصا وان أول طائرة ركبتها في أول رحلة إلى لندن- وكانت من طراز كوميت فور سي - ثم سحبها من الخدمة بعد ان تساقط الكثير منها هنا وهناك بسبب خلل ميكانيكي في تصميمها، ثم عرجت على رحلة لي مع أم الجعافر إلى لندن في ذات شهر يوليو قبل عامين، وكيف أنها وهي تطالع صحيفة انجليزية قبل هبوط الطائرة بقليل قرأت فيها خبرا كاد أن يجيب خبرها (هذه العبارة تقال كناية عن الإبلاغ بخبر وفاة، اللهم اعطها طول العمر وسعادة الكبر).

كانت الصحف البريطانية تلك تتحدث عن موجة حر قاتلة في بريطانيا وتنصح المواطنين بعدم مغادرة البيوت ما بين الحادية عشرة صباحا والثالثة عصرا والإكثار من شرب السوائل وصب الماء على الرأس والوجه بين الحين والآخر، واستخدام الكريمات التي تصد آثار أشعة الشمس، كل ذلك لأن الحرارة بلغت 32 درجة مئوية وهي نفس درجة الحرارة التي تجعل المسؤولين الصحيين في السودان ينصحون المواطنين باتخاذ الحيطة من أمراض «البرد» بارتداء الملابس الصوفية والإكثار من شرب الشاي والقهوة.

ما علينا: نعود إلى موضوع شجاعتي المفترضة أو الطارئة (رغم اعترافي بأنني أخاف ركوب الطائرات).. قال دريول (سائق) الطائرة اننا سنهبط في مطار هيثرو بعد خمس دقائق وامتدت تلك الخمس دقائق إلى خمس واربعين دقيقة.. طبعا سمع القراء بناطحات السحاب تلك البنايات الشاهقة التي يزيد ارتفاعها على مائة طابق ولكن قليلون هم من رأوا «السحاب الناطح»، كانت سماء لندن مغطاة بسحب سمكها نحو كيلومترين وصارت الطائرة ترتج مثل ابريق شاي عبوة لترين في يد عجوز في الثمانين تعاني من سوء التغذية، وكان الجزع باديا على كل الوجوه من حولي فقد كانت الطائرة تقترب من الأرض ثم تعلو وهي تميل يمنة ويسرة.

من بين القنوات التلفزيونية المفضلة عندي، قناة ناشونال جيوغرافيك وتبث برنامجا اسمه اير كراش انفستغيشن (تحريات حول سقوط الطائرات).. وتذكرت عشرات الحوادث المرعبة التي شاهدتها على تلك القناة، كانت زوجتي تدخل في غيبوبة ثم تفيق وتقرأ شيئا من القرآن والدعاء.. لم أكن استبعد ان تواجه الطائرة مشكلات في الهبوط بل لم استبعد احتمال قيامها بهبوط اضطراري كارثي ولكن الغريب في الأمر هو أنني لم أجزع من فكرة الموت، دمعت عيناي قليلا عندما تذكرت عيالي الذين سيتيتمون بفقد الأم والأب، ولكن ولأول مرة في حياتي لم «أتهيب» الموت؛ تذكرت انه لا تدري نفس بأي أرض تموت وان الموت حتم، وسألت الله المغفرة من ذنوبي الكثيرة بل وتخيلت «نعيي» في الصحف: وكان رحمه الله حسن المعشر ومرشحا لجائزة نوبل للكيمياء لولا تآمر الصهاينة ضده! طبعا فرحت عندما هبطت الطائرة بسلام رغم انها ارتطمت بالأرض ونططت فوقها كما كرة التنس، وكانت الحرارة في لندن عند وصولنا عشرين درجة سيلسيوس (سنتيغريد سابقا) وكانت الأمطار تهطل بغزارة، بعد موجة جفاف جعلت السلطات تمنع ري الحدائق وتحث المواطنين على ترشيد استخدام الماء بدرجة ان عمدة لندن نصح بعدم شد أذرع وسلاسل المراحيض إلا بعد ان يستخدمها نحو 4 أشخاص.. يعني أتى الخير معنا إلى لندن، ولكن المؤسف هو ان كثيرين من اهل لندن ينظرون إلى امثالي ثم يحسون بالقرف أو الخوف.. وكان عزائي هو أنني أيضا لا أحب لندن ولا اي مدينة غربية، رغم اعجابي بالكثير من إنجازات الحضارة الغربية.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news