العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

قد أكون شجاعا من دون أن أدري (1)

لم أكن أعرف انني شجاع بأي درجة، ففي مراكز التوثيق مستندات تفيد وتؤكد أنني أخاف من القطط خاصة بالليل، وفور زواجي قلت لسعيدة الحظ التي فازت بي بعلا وبغلا: إياك لو أحسستِ بوجود لص في البيت أن تنطقي بكلمة ويا ويلك وظلام ليك لو حاولت إيقاظي كي أتصدى للحرامي قبل ان يعطيني ظهره ويبتعد عني مسافة يجوز فيها قصر الصلاة، بل كنت أعرف انني أخاف ركوب الطائرات، وكل من يعرفني يعرف عني ذلك، وسكنني ذلك الرهاب (الفوبيا) عند أول رحلة لي إلى لندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي انطلاقا من الخرطوم إلى فرانكفورت في ألمانيا، وفوق الأجواء الألمانية كان جناحا الطائرة يصدران وميضا مخيفا وهما يخترقان السحب المتجهمة، وفوق مطار هيثرو اللندني أصيبت الطائرة أيضا بالشلل الرعاش، وباختصار نزلت من الطائرة في يوم شديد البرودة أنا مصاب بالجفاف لفقدان السوائل بالتعرق الشديد، ولكن ما جعل الخوف من الطائرات يلازمني طويلا هو أن الهيئة الدولية للطيران قضت بأن الطائرة التي قطعت على متنها آلاف الكيلومترات لا تصلح للطيران، وتم سحب جميع طراز تلك الطائرة (كوميت فور سي) من الخدمة.

وكان الشاعر القديم لا يحب ركوب البحر لأنه يخشى المعاطب: طين أنا وهو ماء/ والطين في الماء ذائب، وقبل عامين كنت متوجها مع حرمي إلى لندن وفور إقلاع الطائرة من مطار الدوحة أبلغنا الدريول أي سائق الطائرة، بأن هناك رياحا هوجاء في مطار هيثرو في لندن، فأحسست بالتواء في القصبة الهوائية، وبسبب خوفي من الطائرات فإنني لا أنام خلال الرحلات الجوية مهما استغرقت من وقت، ولا أنظر إلى الشاشات المركبة خلف المقاعد لأنها تعرض معلومات سخيفة ومزعجة: في حالة سقوط الطائرة في الماء البس الزفت الأصفر واملأه بالهواء، وعند الهبوط الاضطراري استند بذراعيك على المقعد الذي أمامك (واقرأ الفاتحة على روحك)، وإذا حدث نقص في الأوكسجين اسحب الكمامة وضعها على أنفك حتى تبدو كلص يريد سرقة بنك! وما هو أسخف من كل ذلك هو معلومات من شاكلة «نحن الآن على ارتفاع 37 ألف قدم ودرجة الحرارة خارج الطائرة سبعين تحت الصفر».. وأنا مالي؟ هذه معلومات لا قيمة لها عندي كمسافر.

المهم شغلت نفسي بالقراءة في كتاب كنت أحمله معي وحرصت على ألا يكون الكتاب باللغة العربية حتى لا يظن بي طاقم الطائرة والجماعة في مطار هيثرو الظنون: ألو هناك راكب يحمل كتابا بالعربية وشكله غير مطمئن، وكنا على بعد يومين من الذكرى الثانية عشرة لتفجيرات لندن (7 يوليو 2005) التي راح ضحيتها أكثر من خمسين شخصا، وكانت وسائل الإعلام البريطانية قد بدأت منذ اليوم الأول من يوليو في تقليب المواجع وطرح المواويل المعتادة: هل المسلمون إرهابيون بالفطرة أم ان بعضهم «فيهم الخير»؟ والمشكلة كانت أن الشخص المسافر معي كان ذا سمات إرهابية.

كان ذلك الشخص أم الجعافر، زوجتي (بالمناسبة هي ترفض كنية أبي الجعافر وتباهى بأنها أم غسان الذي هو أكبر عيالنا، ولكنني اقول لها إن كنية أم الجعافر تجعلها تبدو متحضرة مثل الأوروبيات اللواتي يحملن اسماء عائلات أزواجهن).. كانت تغطي شعرها وكامل جسمها بملابس طويلة فضفاضة وملامحها شرق أوسطية (بينما ملامحي إفريقية بحتة مما يخفف عني شبهة الإرهاب.. بعض الشيء).. ثم قدموا لنا صحفا بريطانية، وأنا متيم بصحف بريطانيا خاصة الغارديان والاندبندنت لموضوعيتهما وحياديتهما، وفجأة مالت أم الجعافر نحوي والرعب باد على وجهها، ووضعت اصبعها على عنوان في صدر الجريدة: «كيلر هيت… يثير الجزع في صفوف المواطنين».. كيلر تعني قاتل وهيت تعني الحر والسخونة.. حسبت المسكينة ان كيلر هيت شخص، ومعلوم انه اسم شائع في بريطانيا وأشهر من حمله كريستين كيلر تلك الحسناء التي كانت على علاقة جنسية مع وزير الدفاع البريطاني بروفيومو ومسؤول مخابرات في السفارة السوفيتية في لندن في الستينيات فأطاحت بالوزير.. طمأنتها بأن الجريدة تتحدث عن موجة حر «قاتلة» تجتاح بريطانيا وبأن الحر الذي يشكون منه هو ما نعتبره نحن المقيمين في منطقة الخليج ربيعا.

وغدا «نفاصل» بعد «الواصل».

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news