العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن .. آلية جديدة لمواجهة تهديدات الأمن الإقليمي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٣ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

«مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» اسم التجمع الإقليمي الذي أعلنت المملكة العربية السعودية التوقيع على ميثاقه في السادس من يناير الحالي 2020، وهو الصيغة النهائية لمقترح المملكة في ديسمبر عام 2018 بتأسيس منتدى يضم ثماني دول هي «السعودية، مصر، الأردن، أريتريا، اليمن، السودان جيبوتي، الصومال»، ومع التسليم بأن تأسيس مثل ذلك الكيان الإقليمي هو أمر أقره ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الثامن منه والذي أتاح لبعض الدول التي تربطها أواصر جغرافية أو سياسية أو اقتصادية واحدة أن تنشئ فيما بينها تجمعات إقليمية فرعية يكون منوطاً بها دعم عمل المنظمة الأممية في حفظ الأمن والسلم الدوليين بما يتسق وميثاق تلك المنظمة، من ذلك تأسيس تجمع الآسيان والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وحلف الناتو وكذلك جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن ذلك التجمع برأيي يكتسب أهمية استراتيجية مضموناً وتوقيتاً، فعلى صعيد المضمون لطالما أثير الحديث عن الارتباط بين أمن الخليج العربي وأمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر ذلك الارتباط الذي يضرب بجذوره في عمق التاريخ، فضلاً عن تهديدات الأمن الإقليمي الراهنة، منها تداعيات الأزمة اليمنية ليس فقط على أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج فحسب بل على الأمن العالمي من خلال تهديدات الملاحة في مضيق باب المندب الاستراتيجي، إلا أن ذلك الاهتمام لم يترجم في آليات مؤسسية إذ ظل حديثاً نظرياً على مدى عقود. وعلى صعيد التوقيت أتصور أن ذلك التجمع يجيء وسط عدد من التحولات الإقليمية المهمة، وأحددها في ثلاثة مؤشرات، الأول: الصراع الإقليمي-العالمي في منطقة القرن الإفريقي عموماً والذي تعكسه القواعد العسكرية للعديد من الأطراف الإقليمية والدولية بما يعنيه ذلك من عسكرة تلك المنطقة التي تعد امتداداً جيواستراتيجياً لأمن الخليج العربي، والثاني: على الرغم من أهمية الأهداف التي أعلنت والتي يسعى هذا التجمع لتحقيقها فإن جلها برأيي هو أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في ظل عدم وجود اتفاقية ملزمة لكافة الدول المتشاطئة بشأن مسألة الحقوق البحرية للدول سواء المياه الإقليمية أو المناطق الاقتصادية الخالصة، والثالث: مع أهمية الآليات الدولية لضمان أمن الملاحة في الخليج العربي سواء التحالف العسكري البحري لضمان أمن الملاحة في الخليج العربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أو البعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة في الخليج العربي فإن وجود آلية إقليمية من شأنها التكامل مع هاتين الآليتين وفق منظور مؤسسي مستدام.

وبعيداً عن التكييف القانوني لذلك الكيان الذي كما أشرت سيكون وفقاً لمضامين ميثاق المنظمة الدولية من حيث تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، فإن ثمة تساؤلات تثار الآن حول طبيعة ذلك الكيان، وهو الأمر الذي ربما يثير الكثير من الغموض والالتباس أحياناً، إلا أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قد أوضح طبيعة ذلك الكيان الجديد بالقول «إنه لن يكون موازياً لمجلس التعاون ويتمثل في منظومة عمل مشترك وسيكون له اجتماعات قمة ويشكل مبادرة للتنسيق والتعاون ستشمل جميع المجالات»، فليس بالضرورة أن تكون التجمعات الإقليمية بديلاً لأخرى أو موجهة ضد أخرى، ولكن تلك التجمعات ضرورة تفرضها التحديات التي تواجه مجموعة من الدول وهو ما يفسر نشأة مجلس التعاون في الثمانينيات كرد خليجي جماعي على قيام الثورة الإيرانية آنذاك، ولكن الأهم برأيي هو دراسة كيفية تطور التجمعات الإقليمية. صحيح أنها تجيء كاستجابة جماعية واعية ولكن تقييم تلك التجمعات من خلال الانتقال من المقدمات إلى النتائج من دون الحديث عن العوامل الوسيطة يعد تبسيطاً لن يؤدي إلى رؤية استراتيجية، فمع أنه من المبكر القول إن هذا التجمع سيكون له قوة عسكرية موحدة -مع أنها أمر ضروري- إلا أن كافة مقومات النجاح متاحة لذلك التجمع نحو التطور بشكل طبيعي متدرج على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ صيغاً وأشكالاً مختلفة عبر عقود قبل أن يصل إلى شكله الحالي، من تلك المقومات أولاً: ليس وجود مصالح مشتركة فحسب وهي عديدة ولكن وجود تحدّ مشترك وهو حماية ممر بحري استراتيجي حيوي أصبح سبباً لتنافس إقليمي-عالمي محموم للتواجد بالقرب منه، ثانياً: وجود ثلاث من الدول العربية المحورية ضمن هذا التجمع وهي المملكة العربية السعودية ومصر والأردن، وبرأيي أنه لبنة مهمة لبناء الأمن الإقليمي مجدداً ولو على نطاق فرعي، لأن المعضلة الأساسية التي واجهت المنطقة -ولاتزال- كانت تدويل الأزمات الأمر الذي أطال أمدها بعيداً عن دور الآليات الإقليمية، ثالثاً: أنه يعد الصيغة المؤسسية الأولى لأمن البحر الأحمر تنصهر فيها الرؤيتان الإفريقية والآسيوية.

ومع أهمية ذلك الكيان المؤسسي الجديد الذي سوف يدعم بلا أدنى شك جهود دول الخليج لتحقيق مفهوم توازن القوى الإقليمي أتصور أن هناك حاجة ماسة إلى خمس خطوات ضرورية لتفعيل عمل هذا الكيان الإقليمي أولها: ضرورة أن يتسم الميثاق بالمرونة الكافية سواء لعمل التنظيم الإقليمي أو الحق السيادي لأطرافه، منها مسألة الانسحاب على سبيل المثال.. فعلى سبيل المثال لم يؤد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى انهيار ذلك التجمع، ثانيها: التطور، بمعنى أنه بالرغم من أهمية الميثاق المنشئ فإن ذلك لا يحول دون إصدار مفهوم أمني استراتيجي كل عدة سنوات يتوافق عليه الدول الأعضاء على غرار ما يصدر عن حلف الناتو، فضلاً عن إمكانية ضم أعضاء جدد لذلك التجمع بصفة مراقب، بالإضافة إلى إمكانية تأسيس آلية عسكرية جماعية لذلك التجمع على غرار الاتحاد الإفريقي، وثالثها: ضرورة بل حتمية الاستفادة من آلية عمل التنظيمات الإقليمية المماثلة والتي تضمن الحفاظ على استمرارية تلك الكيانات، وخاصة وضوح الهيكل التنظيمي. صحيح أن الأمن يظل وليداً لبيئته الإقليمية إلا أن هناك قواعد محددة تحكم عمل تنظيمات الأمن الإقليمي عموماً. ورابعها: تحديد أهداف استراتيجية ووضع أولويات لتحقيقها بل الأهم تحديد الموارد ومساهمات الدول الأعضاء. وخامسها: ضرورة الاتفاق على مصادر التهديد الإقليمي وتحديد آليات واضحة لمواجهتها.

 وبغضّ النظر عن المسمى الذي يطلق على ذلك التجمع فإنه قد جاء وسط تحولات غير مسبوقة يشهدها الأمن الإقليمي أدت إلى صراعات إقليمية ممتدة وتأسيس تحالفات بعضها اتسم بالطابع الوقتي لارتباطه بمهمة محددة، إلا أن الأمر المهم هو أن وجود كيان إقليمي له ميثاق ملزم وهيكل واضح وإرادة مشتركة سيكون إيذاناً بزيادة حضور مفهوم الأمن الإقليمي مجدداً ضمن الاشتباك مع التهديدات الإقليمية الراهنة وإمكانية مواجهتها خلال مدى زمني محدد، وهذا هو الهدف الاستراتيجي لتأسيس تنظيمات الأمن الإقليمي عموماً.

‭}‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news