العدد : ١٥٣٠٧ - الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٧ - الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

سلطنة عمان تخسر قائد مسيرتها الناجحة

يجمع الكثير من المهتمين بالشأن العماني على الدور الكبير والبارز والمؤثر الذي لعبه السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان الراحل في تحديث السلطنة ونقلها من حالة العزلة الدولية والإقليمية التي كانت تعيشها حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، أي حتى تسلم السلطان قابوس مقاليد الحكم من والده في الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1970، نقلها من تلك الحالة إلى حالة أخرى متقدمة تليق بمكانة وإمكانيات عمان، من حيث الموقع الجغرافي المميز والتاريخ الغني، فتحولت عمان في عهد السلطان الراحل إلى دولة ذات ثقل إقليمي ودولي تحظى باحترام وتقدير الغالبية الساحقة من دول العالم بفضل السياسة الحكيمة التي انتهجتها السلطة تحت قيادة السلطان الراحل على مدى خمسين عاما هي السنوات التي قضاها في قيادة بلاده.

حققت السلطنة الشقيقة على مدى الخمسة العقود الماضية التي قضاها السلطان الراحل قائدا لمسيرتها الحديثة، حققت الكثير من الإنجازات والنجاحات في جميع الميادين، فانتقلت عمان من مجتمع منغلق وبلاد تخيم عليها الوحشة الاجتماعية إلى واحدة من أنجح التجارب الحديثة في حياة الدول والشعوب، فالسلطان قابوس فتح الأبواب أمام جميع أبناء شعبه، مغلقا تماما تركات الماضي الأمني والسياسي والعسكري ولم يجعل من هذه التركات عائقا أمام الاستفادة من طاقات جميع العمانيين من دون النظر إلى منطلقاتهم السياسية والفكرية.

بالقدر الذي لا يساور أحد أدنى شك في أن رحيل السلطان قابوس يعدّ خسارة كبيرة جدا بالنسبة إلى الشعب العماني الشقيق نظرا الى الدور الكبير والمؤثر الذي لعبه الراحل في نهضة عمان الحديثة، بالقدر نفسه يستطيع المتتبع للشأن العماني أن يجزم بأن هذه الخسارة الكبيرة لن تؤثر في المسيرة العمانية الناجحة التي وضع لبناتها السلطان الراحل، فعمان تحت قيادة السلطان قابوس لم تقفز في الهواء أثناء خروجها من حالة العزلة الإقليمية والدولية التي عاشتها قبل مجيء السلطان الراحل، بل درست خطواتها بتأنّ وإتقان أيضا معتمدة في ذلك قبل كل شيء على قدرات شعبها وقدراتها وإمكانياتها الطبيعية.

سيترك رحيل السلطان قابوس، بلا شك، فراغا محسوسا بالنسبة للشعب العماني الشقيق والشعوب الأخرى، لكن عمان بإمكانياتها الكبيرة وشعبها الخلاق، قادرة على ملء الفراغ الذي خلفه الراحل، والمكانة التي صنعها لبلاده في مختلف المحافل العربية والإقليمية والدولية، هذا ما ظهر واضحا من كلام سلطان عمان الجديد هيثم بن طارق آل سعيد بأن السلطة ستحافظ على النهج الذي اختطته في عهد السلطان الراحل، وهو ما يعني أن المسيرة التي دشنها وقادها السلطان قابوس على مدى خمسين عاما لن تتوقف برحيله.

عمان في عهد السلطان الراحل تحولت إلى رقم مميز ومشهود، على المستويين الإقليمي والدولي، ليس فقط بفضل سياسة النأي بالنفس في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية ذات الحساسيات السياسية والأمنية الكبيرة والخطيرة فحسب، وإنما كذلك بسبب النهج الذي اتبعته القيادة العمانية تحت إدارة السلطان قابوس فيما يتعلق بتسيير ومعالجة الشأن الداخلي العماني، وخاصة في الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة وانعكاس الأحداث الدولية والإقليمية الكبيرة على الشؤون الداخلية للعديد من الدول والشعوب والأثر السلبي الذي تركته.

نجحت عمان، بفضل وعي شعبها أولا وبفضل السياسة الحصيفة التي قادها السلطان قابوس إزاء الشأن الداخلي لبلاده، نجحت في عدم الوقوع في الشرك الذي وقعت فيه شعوب كثيرة، ونعني بذلك الشرك الطائفي الذي دمّر شعوبا عربية ومزق دولا، بعضها لا يزال يعاني حتى الآن من النتائج التي تمخضت عن ذلك، فعمان رغم التعدد العرقي والديني والمذهبي الذي يميز شعبها، كانت من الدول القلائل جدا التي بقيت بمنأى من السموم الطائفية التي اجتاحت المنطقة، وخاصة بعد تفجر ما يسمى «الربيع العربي» وتصاعد أنشطة قوى الإسلام السياسي التي كانت هي السبب الرئيسي في التشطير العمودي المذهبي للعديد من المجتمعات.

رغم الخسارة التي منيت بها السلطة الشقيقة بفقدانها قائد مسيرتها الحديثة والناجحة، فإن هذه الخسارة لن تحول دون استمرار هذه المسيرة وتطورها، ذلك أن عمان وضعت أسسا قوية ومتينة تقف عليها، وهي على قناعة بأنها قادرة على مواصلة النهج الذي اختطّه قائدها الراحل، وبالقدر من النجاح الذي استطاعت تحقيقه... تعازينا الحارة لأبناء الشعب العماني الشقيق وكل التمنيات لهم بالمزيد من النجاحات في مسيرتهم الناجحة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news