العدد : ١٥٣٠٧ - الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٧ - الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

الثقافي

قراءة في رواية «المطمورة» لشيماء الوطني هجسٌ لسكان المدينة

قراءة - جابر خمدن

السبت ١١ يناير ٢٠٢٠ - 12:19

 ربما تكون بلدًا نسجته أحلام «غريب» بطل الرواية


 

في روايتها الأولى «المطمورة» لشيماء الوطني، يفاجئنا العنوان ومن خلفه صورة الغلاف، حيث يبرز جذع شجرة ما لا يمكننا معرفة نوعها. تبدو الصورة لمشهد الشروق عندما تبدأ الشمس تصبغ الأفق بحمرتها الممزوجة بأصفر النهار فيتنفس الصبح رويدا رويدا. يحاول القارئ الربط بين العنوان والغلاف؛ فتأخذه الحيرة، هل يوحي بشيء ما غامض ومبهم؟ والمطمور هو المكان أو الشيء المخفي، يا ترى ما هو هذا الشيء أو المكان؟

تستدرجك العتبة الأولى لكي تبدأ تصفح الكتاب؛ تكشف الغموض.. وإذا بك تقرأ العتبة الأخرى.. هذا الاقتباس: «ربما وطنك هو المكان الذي تشكل في خيالك، شيء حلمت به وتغنيت، ربما هو مكان ليس موجودا على الخارطة، ولكنه مجرد حكاية عن أناس التقيت بهم أو أماكن زرتها». ينتهي الاقتباس لتبدأ الأسئلة.. أي وطن تتحدث عنه الرواية؟

وما علاقته بالعتبات الأخرى؟

وقد يتبادر لذهنك أن المطمورة هنا بلدة أو قرية طمرت ذات يوم.. تفرح قليلا لفك شفرة العنوان.. ولكنك الآن وقد تم استدراجك وتوريطك منذ البداية؛ عليك بمتابعة القراءة حتى تتكشف لك الأمور.. بالنسبة لي وجدته استدراجا ذكيا من الكاتبة وهذا ما يسمى بالاستهلال، وهو استهلال مشوب بنكهة أخرى حيث نتذوق بعض عبارات فلسفية عن المكان، عن الوطن.. بالنسبة لي أحالتني هذه العتبة مباشرة لتتقاطع مع قراءتي لأنثربولوجيا المدينة، حيث يقرر الباحث هذه العبارة: «كل ساكن من المدينة نفسها يشكل بذلك مدينته الخيالية؛ مختلفة شيئا ما بشكل مستمر عن المدن الأخرى».

«يمكن للمدينة أن تظل غير ظاهرة كلها وهذا لا يمنع أن تصبح رمزا متقاسما لكل الذين يعيشون فيها ويسعون في آخر المطاف للذهاب في مسارات مختلفة جدا».

هذه عبارات الانثروبلوجي ميشال أيجي في أنثربولوجيا المدينة..

ومن خلال تمعني في مقولته؛ أجدني أسحب الكلام كلحاف يغطي بلدا بأكمله وليس فقط قرية أو مدينة.. ألسنا نتحدث عن بلادنا بشكل مختلف عند مقارنتها ببلدان أخرى، ثم ونحن في الغربة نحملها معنا ونشكلها من جديد على مقاس البعد عنها واللهفة إليها.. ثم إن ظهورها أو اختفائها كمدينة أو كبلد وإن كان ظهورا واقعيا للعين الخبيرة؛ فهو قد يكون غائبا عن ساكنيها الذين ألفوها.

«ربما وطنك هو المكان الذي تشكل في خيالك»

العتبة الثالثة، بعد العنوان والغلاف... يأتي الاقتباس عن رواية الناس المبقعة ليضيء بعض جوانب الرواية.

«المطمورة» ربما تكون بلدا نسجته أحلام غريب بطل الرواية.. ربما لم تكن ذات يوم، ربما الحنين إلى مكان ما ليس له وجود كما يصرح الاقتباس في جملة أخرى هل كان صدفة أن يكون اسمه «غريب»؟ أم أن الكاتبة أرادت الإيحاء من خلاله أن بطلها كان غريبا في بلده فبدأ يحلم بمكان يفرش فيه سجادة أحلامه التي حاكها في خياله

إذن كل ساكن في المدينة يشكل بذلك مدينته الخيالية وهذا ما ينطبق على غريب حين تجاوز حلمه المدينة إلى البلد كله.

وحين تقوده نبوءة عرافة وتوسوس إليه بالرحيل.. لم يكن يتبع خطى كلماتها بقدر ما كان يسعى وراء حلمه الذي يرحل به من بلد إلى بلد؛ فيستمع إلى حكايات أناس مثله.. كل واحد يحمل همومه وهواجسه..حينما يعود إلى مرابع طفولته.. يتغير كل شيء فيها. هل كان يعيش وهما.. أم أنه كان يحن إلى مكان تشكل في الخيال؟

تفتح الخاتمة أبواب التأويل حسب كل قارئ وزاوية رؤياه.

«المطمورة»، للكاتبة شيماء الوطني مكتوبة بلغة جميلة وبسيطة؛ ليس فيها تعقيد ولا بهرجة. وكونها الرواية الأولى، فقد ولجت سرادق السرد ذي النفس الطويل من بوابة محكمة، ومن قراءاتي المتنوعة لروايات مترجمة أو عربية.. لا تقل هذه الرواية روعة عما قرأت.. أشد على يد الكاتبة شيماء، وإلى مزيد من التألق في رواية أخرى.

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news