العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإجراءات الاحترازية... ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية الراهنة

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الأربعاء ٠٨ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

في أول تعليق له على مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قال دينيس روس المفاوض والمبعوث الرئاسي الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأوسط: «يتعين على دول الخليج زيادة إجراءات الحماية الأمنية ثلاث مرات، فضلاً عن التركيز على الأنظمة الدفاعية ضد الطائرات الموجهة» درون. وقال «سوف نرى استخدامًا إيرانيًا إضافيًا للميلشيات بشكل غير مباشر»، وواقع الأمر أن حديث روس -وهو الدبلوماسي والخبير المخضرم في شؤون منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي- لم يأت من فراغ، بل حديث يعكس خبرة الماضي ومستجدات الحاضر وسيناريوهات المستقبل، فدول الخليج لا ترغب في أي حروب بل إنها لطالما دعت إلى تسوية كافة المشكلات بالطرق السلمية، إلا أنها جزء من بيئة إقليمية مضطربة أملت عليها أن تكون جزءًا من تلك التفاعلات.

 فعلى الرغم من أنها لم تكن طرفًا في الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات فإن ذلك قد أملى عليها أن تكون جزءًا من ذلك الصراع لاتخاذ مواقف في هذا الاتجاه أو ذاك إلا أنها تمكنت من إدارة تلك الأزمة على كافة الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية بما جنبها تداعياتها، وعلى الصعيد ذاته الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لم تكن دول الخليج طرفًا في تلك الأزمة ولكن كانت هناك تداعيات على أمنها القومي جراء ذلك الغزو، كما أن مستجدات الحاضر قد جعلت دول الخليج في بؤرة تلك التوترات والتي بلغت ذروتها مع استهداف ناقلات النفط قبالة سواحل الإمارات وفي خليج عمان، بل إن المستقبل يشي بأن المنطقة مقبلة على تأجيج الحروب غير المتماثلة والتي تلعب فيها التكنولوجيا دورًا محوريًا. حديث روس تناول جانبًا مهمًّا مما أشرت إليه في مقالات سابقة حول «استراتيجية الإجراءات الاحترازية».

 صحيح أن أي دولة مهما بلغت إمكاناتها لا يمكن أن تمنع وقوع أزمة ما وخاصة إذا كانت أزمة إقليمية ولكن بإمكانها التعامل معها وفق آليات ومستويات مختلفة وخاصة أزمات الأمن القومي، والتي تتطلب خطة شاملة أبعد من إجراءات الحماية الأمنية ولا أعني بذلك الإجراءات التقليدية المتمثلة في تعزيز حماية المنشآت الحيوية في الدولة، بل خطط التعامل مع الأزمات والتي تتطلب إجراءات احترازية على كافة المسارات ومنها:

 أولاً: الوعي المجتمعي وخاصة مراجعة ما تم اتخاذه من تدابير ومنها التدريبات على عمليات الإخلاء الفوري للأماكن ويا حبذا أن تكون هناك استفادة للجامعات والمدارس من تلك النتائج بحيث يتم إجراء تلك التمارين بشكل دوري وتعميمها لترسيخ الوعي بها.

 ثانيًا: الإعلام الأمني، والذي يؤدي دورًا بالغ الأهمية إبان الأزمات، من خلال التوعية بالحملات الإعلامية التي تستهدف أمن المجتمع وضرورة وجود أجهزة تعمل على تنفيذ تلك الحملات والمعلومات المغلوطة التي يتم توظيفها كسلاح خلال الأزمات وهذا يعيد إلى الأذهان ما قاله الجنرال ويسلي كلارك القائد السابق لقوات حلف الناتو خلال مشاركته في مؤتمر التحالفات العسكرية في الشرق الأوسط في أكتوبر 2017 بالقول «إن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت الحرب في فيتنام لأن خطاب العدو تفوق عليها الذي سعى لتوصيف الحرب بأنها حرب تحرير وطنية وأن البوذيين يحاربون الكاثوليك».

وثالثًا: الإجراءات الاقتصادية وخاصة المخزون الاستراتيجي من الغذاء وخاصة السلع الأساسية، ورابعًا: وعلى المستوى الأمني يجيء دور المركز الوطني لإدارة الأزمات والكوارث من خلال التنسيق مع الجهات المعنية الرسمية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني للتعامل مع أي أزمات إقليمية متوقعة واستعراض الخطط والخطط البديلة في ضوء نتائج ورش العمل والتدريبات الافتراضية التي أجراها المركز خلال الأشهر الأخيرة.

 وعلى المستوى الإقليمي، لا شك أن تعزيز التنسيق سواء بين دول مجلس التعاون أو مع الحلفاء والشركاء يعد أمرًا مهمًّا للغاية وخاصة في ظل سيناريو الحروب غير المتماثلة، ففي الوقت الذي لا توجد مؤشرات مؤكدة على وقوع مواجهة عسكرية مباشرة فإن استهداف المنشآت الحيوية يبقى احتمالاً قائمًا ومن ثم تبقى الحاجة لعدة إجراءات احترازية منها: 

أولاً: التركيز بشكل كبير على نتائج مناورات المحاكاة التي تم تنفيذها للتعامل مع الأزمات في الأمن البحري وخاصة استهداف ناقلات النفط وإحداث أضرار بها تستهدف تلويث البيئة البحرية ولقد كان للبحرين جهود ملموسة في هذا الشأن من خلال تأسيس مركز بابكو للتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث في المجال النفطي ويتعين أن تتكامل جهود ذلك المركز مع الآليات المماثلة في الدول الخليجية الأخرى للتعامل مع أي سيناريوهات وتجنب كوارث بيئية على غرار تلك التي أحدثها الغزو العراقي للكويت عام 1990.

 ثانيًا: تأمين طرق مرور النفط والتأكد من عمل طرق بديلة إذا تمت عرقلة نقل النفط إلى الخارج، بالإضافة إلى تأمين محطات تحلية المياه على الخليج العربي.

ثالثًا: ما أشار إليه دينس روس بشأن تعزيز الأنظمة الدفاعية وخاصة ضد الطائرات المسيرة «درون» يعد أمرًا بالغ الأهمية، فالحروب لم تعد تقليدية في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة وما أتاحته للجماعات دون الدول في مواجهة الدول واستهداف منشآتها الحيوية.

وفي تقديري أن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها دول الخليج لنزع فتيل التوتر في المنطقة تعد مهمة للغاية.

 ومع أن دول الخليج كما أشرت لم تكن طرفًا في أي أزمات إقليمية إلا أن حالة التأزيم الإقليمي المزمنة قد فرضت عليها تطوير آليات وطنية للتعامل مع أي أزمات أو كوارث، فضلاً عن حرص دول الخليج على إدراج موضوع الأزمات والكوارث ضمن المقررات الدراسية وخاصة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه وهو ما يمثل استجابة واعية منها لترسيخ الوعي بمسألة الأزمات والكوارث التي حظيت باهتمام بالغ لدى كافة دول العالم في الآونة الأخيرة، ومع أهمية ما سبق فإن مجال إدارة الأزمات والإجراءات الاحترازية عمومًا يجب أن يكون وفق استراتيجيات لها صفة الديمومة ولا ترتبط بتوقيت الأزمات لثلاثة أسباب: 

الأول: أن دول الخليج قد قطعت شوطًا كبيرًا في ترسيخ مفهوم الحكومة الإلكترونية بما يعنيه ذلك من أن الإرهاب السيبراني يظل خطرًا ماثلاً وبقوة.

 والثاني: أنه لوحظ خلال الأزمات الإقليمية التي شهدتها منطقة الخليج هناك ممارسات الهدف منها توريط دول الخليج في تلك الأزمات ومنها حرب الناقلات إبان الحرب العراقية-الإيرانية.

 والثالث: أن دول الخليج انطلاقًا من أهميتها الاستراتيجية للأمن الإقليمي والأمن العالمي لن تكون بمنأى عن تداعيات أي مواجهات حتى لو محدودة.

ويعني ما سبق أن دول الخليج بخبراتها التراكمية في مجال إدارة الأزمات وتحالفاتها الاستراتيجية وسياساتها الخارجية المعتدلة والمتوازنة لديها القدرة على التعامل مع أي أحداث طارئة. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news