العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الظروف تتطلب حضورا للعقل والحكمة

لا أحد حريص حقا على سلامة وأمن شعوب هذه المنطقة وغيرها من الشعوب يريد أن تتحول حادثة اغتيال القائد العسكري الإيراني الجنرال قاسم سليماني إلى حادثة شبيهة بحادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند مع زوجته، من قبل طالب صربي يدعى غافريلو برينسيب، في 28 يونيو من عام 1914، وهي الحادثة التي جرّت العديد من الدول إلى صدام مباشر اندلعت على أثره أحداث الحرب العالمية الأولى في ذلك العام، هذه المقاربة بين الحادثتين لا تعني أن أي رد إيراني يستهدف المصالح الأمريكية من شأنه أن يفجر حربا عالمية ثالثة، فهذا الاحتمال بعيد جدا، بل ويمكن وصفه بالخيالي الساذج، فظروف الحرب العالمية الأولى تختلف كليا عن الظروف التي يمر بها العالم حاليا، أضف إلى ذلك أن الحرب العالمية الثالثة لن تقع إلا إذا تعرضت أي من الدول العظمى لهجوم عسكري مباشر من دولة عظمى أو شريك لها في الأحلاف.

عدم تسبب اغتيال سليماني أو أي رد إيراني في نشوب حرب عالمية ثالثة لا يعني التقليل من المخاطر الجمة التي يمكن أن تلحق بشعوب المنطقة والدول الأخرى إذا ما نشب أي صدام مباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فبعيدا عن عدم تكافؤ القوة بين الطرفين والاختلال الكبير جدا في ميزان القوى بينهما، فإن الواقع الجغرافي يقول إن المنطقة غير قادرة على امتصاص أو تحمل الأضرار الناجمة عن مثل هذا الصدام بغض النظر عن حجم الضرر الذي سوف يصيب هذا الطرف أو ذلك والقدرة على إيذاء كل منهما للآخر.

من هذا المنطلق وبعد وقوع عملية الاغتيال مباشرة وتصاعد التهديدات المتبادلة بين الدولتين، ارتفعت أصوات العقل والحكمة التي تنادي بضبط النفس وعدم اللجوء إلى أي شكل من اشكال التصعيد وتجنيب المنطقة أي قلاقل من شأنها أن تجعل الأوضاع تزداد فيها سوءا وتفتح الأبواب على مختلف الاحتمالات، من منطلق ما تشكله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية لدول العالم المختلفة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن جميع النتائج التي سوف تتمخض عن أي صدام غير محسوب العواقب في المنطقة لن تكون لصالح أي طرف من الأطراف، بعيدا عن حجم الضرر أو الخسائر التي تلحق بهذا أو ذاك. 

من هذا المنطلق وهذه الحقيقة نجد أن شعوب المنطقة التي عايشت وكابدت وتحملت أكثر من غيرها مصائب وحجم الأضرار والخسائر التي حلت بها جراء الحروب التي تعرضت لها المنطقة لأسباب ودوافع وأهداف مختلفة، بل ومتناقضة أحيانا، هذه الشعوب هي أدرى من غيرها بما يمكن أن تسببه اي انزلاقات خطيرة جراء حادث الاغتيال الأخير، وهي، أي هذه الشعوب، أحوج وأحق من غيرها في المطالبة بتوخي أقصى درجات الحذر واليقظة في مثل هذه الظروف الخطيرة التي تتعرض لها المنطقة، وبالتالي فإن دعوات ضبط النفس والتهدئة، بل والتحركات السياسية صدرت من دول المنطقة قبل غيرها.

ظلت منطقة الخليج العربي، والمنطقة العربية بشكل عام، مرتعا لصراعات القوى الإقليمية والدولية والحروب التدميرية التي تعرضت لها المنطقة لم يكن لشعوبها فيها لا ناقة ولا جمل، كما يقول المثل، بل كانت هذه الشعوب هي التي تدفع الثمن الفادح لجميع هذه الحروب، فأحيانا كثيرة تحشر دولنا وشعوبنا في زوايا ضيقة بسبب صراعات المصالح بين عدد من الدول والقوى الإقليمية والدولية، نجم عن ذلك أن تحولت بعض من دولنا إلى ساحات لتصفية الحسابات بين هذه الدول والقوى.

الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ليس وليد حادثة الاغتيال الأخيرة، فمنذ أربعة عقود، أي بعد الثورة الإيرانية في عام 1979، دخلت العلاقات بين البلدين في منعطف وحالات من الشد والجذب تخللتها حوادث خطيرة كادت تشعل حربا مباشرة بينهما، كان أخطرها احتجاز العاملين في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979م عندما قام أكثر من خمسمائة من الطلاب الإيرانيين بمهاجمة السفارة الأمريكية والاستيلاء على عدد من الوثائق واحتجزوا 52 أمريكيًا من السفارة كرهائن.

لكل من البلدين حساباته ومصالحه الإقليمية والدولية، والصراع بينهما سوف يستمر وقد يتصاعد إلى الأخطر، طالما بقي التناقض في المصالح بينهما قائما، لكن ما يهمنا نحن كشعوب ودول، هو أن تبقى منطقتنا في منأى عن تداعيات مثل هذا الصراع، فما تحملته ودفعته شعوب المنطقة من خسائر جراء هذا الصراع وغيره، كانت أثمانه فادحة جدا، وحان الوقت لأن تبقى هذه الشعوب والمنطقة بشكل عام في منأى عن تداعيات مثل هذا الصراع، وعلى الجميع، سواء الدول الإقليمية أو الدول الأخرى، أن تلقي بثقلها في مثل هذه الظروف الصعبة من أجل تجنيب المنطقة أي هزات عنيفة أخرى، فأضرار مثل هذه الهزات، وإن كانت ثقيلة جدا على كاهل شعوبنا، فإن الآخرين ستطولهم أضرار بكل تأكيد، فالمنطقة مهمة للجميع.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news