العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

خمسة عشر عامًا على إطلاق حلف الناتو «مبادرة إسطنبول»

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٦ يناير ٢٠٢٠ - 02:00

 في السابع عشر من ديسمبر 2019 وخلال لقائه بممثلي دول مبادرة إسطنبول للتعاون مع حلف شمال الأطلسي «الناتو» في دولة الكويت للاحتفال بمرور خمسة عشر عامًا على إطلاق تلك المبادرة قال ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف إن «أمن الخليج العربي من أمن الناتو»، ذلك التصريح الذي لا يخلو من دلالات لا ترتبط بمدى التطور الذي شهدته علاقات الحلف بدول الخليج الأربع أعضاء المبادرة» البحرين، الإمارات، الكويت، قطر» بل أيضًا في مدى إدراك مسؤولي الحلف لمهددات أمن الخليج العربي والتي بلغت ذروتها مع استهداف المنشآت النفطية وناقلات النفط ما حدا بالأمين العام للحلف للقول بشكل لا لبس فيه أن «إيران تزعزع استقرار المنطقة بالكامل»، وقال «إن تكرار مثل هذه الهجمات قد تخلف آثارًا سلبية على المنطقة بأكملها»، مؤكدا أن «الحلف يشعر بقلق كبير من التصعيد»، وربما تكون هي المرة الأولى منذ سنوات أن يصدر تصريح من أعلى مسؤول بالمنظمة الدفاعية الأقوى في العالم إزاء تلك الأحداث، وفي تصوري أن ذلك مرده أمران الأول: هو أن قضية أمن الطاقة كانت –ولا تزال- في بؤرة الاستراتيجيات الدفاعية لحلف الناتو، والثاني: التساؤلات التي تثار من آن إلى آخر على مستويات مختلفة حول دور الحلف تجاه تطورات الأمن الإقليمي الراهنة.

 وبالعودة إلى عام 2004. حيث أطلق الحلف مبادرة إسطنبول للتعاون مع دول الخليج العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا والتي انضمت إليها أربع من دول الخليج خلال العام ذاته بينما بقيت كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان خارج إطار تلك المبادرة، نجد أنها تضمنت ستة مجالات للتعاون يمكن لدول الخليج الاختيار فيما بينها وهي «تقديم الاستشارات في المجالات الدفاعية، تشجيع التعاون العسكري-العسكري، مكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات والتعاون البحري، المساهمة فيما يقوم به الحلف من أعمال لمواجهة التهديدات التي تمثلها أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها، تشجيع التعاون في مجال أمن الحدود، تشجيع التعاون في مجال التخطيط لحالات الطوارئ المدنية»، وقد شهد التعاون بين الحلف ودول المبادرة كل على حدة تطورًا ملحوظًا في بعض من تلك المجالات، وبلغ ذلك التطور مداه في افتتاح المركز الإقليمي للحلف ومبادرة إسطنبول في 24 يناير2017 بدولة الكويت ويعد أول مركز للحلف خارج حدوده وتتمثل مهامه في تقديم دورات تدريبية في مجالات الأمن الإلكتروني وإدارة الأزمات وأمن الطاقة والحوادث والطوارئ الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والتخطيط للطوارئ المدنية وجميعها مجالات دول الخليج بحاجة إليها في ظل التهديدات الأمنية الراهنة. ومع أن تلك المبادرة تعد ضمن سياسات حلف الناتو بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة والتي أثيرت خلالها تساؤلات مثلت انتقادًا غير مسبوق حول جدوى استمرار الحلف ذاته، فإنها قد ارتكزت على أسس ثلاثة أولها: التعاون العملي الاختياري، بمعنى أن الحلف لا يفرض على الدول الشريكة حتمية الالتزام بكل بنود المبادرة وإنما لكل دولة الاختيار فيما بينها بما يتلاءم واحتياجاتها الأمنية ولكن وفقًا لمبدأ 29+1 أي الحلف ككل مع كل دولة على حدة ولا يجوز لدولة الاستفادة مما يقدمه الحلف لدولة أخرى، وثانيها: مراعاة خصوصية الدول الشركاء وخاصة السياق السياسي والثقافي ومن ثم فإن الهدف هو تقديم ما يسميه مسؤولو الحلف «القيمة المضافة للأمن»، وثالثها: تكامل جهود الحلف مع الأطراف الأخرى المعنية بأمن الخليج العربي سواء أكانت دولا أو منظمات، وبالتالي فإن ما يقدمه الحلف يأتي متكاملاً مع تلك الجهود لا منافسًا لها.

وتأسيسًا على تلك المرتكزات الثلاثة فإن طبيعة مبادرة إسطنبول هي المرونة الأمر الذي أتاح لها التطور منذ إطلاقها وحتى الآن، حتى إن الدول الخليجية التي لم تنضم للمبادرة ظلت تشارك في بعض أنشطتها بصفة مراقب من أجل الاطلاع من كثب على مضمون المبادرة وأهدافها.

وقد لا يتسع المجال لرصد نتائج التعاون الأطلسي - الخليجي ضمن مبادرة إسطنبول والذي ربما يتباين من دولة لأخرى إلا أنه ينبغي تأكيد أمرين الأول: هو أن ذلك التعاون يتم من خلال برامج الشراكة والتعاون الفردي بين الحلف وكل دولة على حدة، والثاني: المركز الإقليمي للحلف المشار إليه بدولة الكويت.

 ومع أهمية ما سبق فإن ذلك لا يعني أن جهود حلف الناتو ظلت محددة بإطار مبادرة إسطنبول لسبب مؤداه أن أمن الخليج العربي يعد جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي يتفاعل معها تأثرًا وتأثيرًا، ومن ثم فإن الحلف قد شارك في جهود مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية ابتداءً بإرسال قطع بحرية لمواجهة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن ومرورًا بمشاركة الحلف بالدعم اللوجستي ضمن الجهود الدولية لمحاربة داعش في سوريا والعراق وانتهاء ببرامج التدريب التي أقرها الحلف لتدريب قوات الأمن العراقية.

وأتصور أن دول الخليج أعضاء المبادرة ودول مجلس التعاون ككل بإمكانها تعظيم الاستفادة من حلف الناتو ليس بوصفه تنظيمًا دفاعيًا مهمًا فحسب بل كونه تنظيمًا إقليميًا يعكس تجربة مهمة للأمن الإقليمي لدول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية ويمكن دراسة تلك التجربة وخاصة في مجالات ثلاثة الأول: تكوين القوات المسلحة للحلف، إذ يلاحظ أنها موزعة في مناطق مختلفة من العالم ولكل منها مهام وبرغم أنها مكونة من كل أعضاء الحلف ولكنها تعمل وفق منظومة وعقيدة عسكرية واحدة وهو أمر جدير بالدراسة، والثاني: المفهوم الاستراتيجي الذي يصدره الحلف كل عشر سنوات وهو ميثاق أمني يتضمن دراسة كل المستجدات الأمنية التي حدثت خلال عقد من الزمان وتحديد آليات مواجهتها وهنا نتحدث عن فكرة مرونة المنظمات الدفاعية في الاستجابة للتهديدات الأمنية، والثالث: هيكل الحلف ذاته والذي يتكون من مؤسسات عديدة أبرزها لجنتان الأولى عسكرية والثانية سياسية وكيف يتم التفاعل بينهما وخاصة بشأن القرارات الاستراتيجية المهمة ومنها تدخل الحلف خارج أراضيه إبان الأزمات التي يرى مسؤولوه أنها تمثل تهديدًا لمصالح أعضائه. ومجمل القول إن مبادرة إسطنبول هي إحدى الشراكات الدولية المهمة التي عكست مدى الارتباط بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي حيث يعد أمن الخليج العربي بؤرة ذلك الارتباط وهو أمر سيظل مثار اهتمام الحلف، بل إن الحلف ربما سيكون معنيًا بدرجة أكبر بتهديدات الأمن الإقليمي التي تواجه الشركاء وخاصة ما يرتبط بتهديدات أمن الطاقة التي أضحت مكونًا مهمًا من استراتيجيات الحلف خلال السنوات القليلة الماضية من خلال الخطط التي صاغها الحلف للحفاظ على أمن الطاقة والأمن البحري عمومًا وجميعها مؤشرات على تنامي اهتمام حلف الناتو بأمن الخليج العربي والأمن الإقليمي. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news