العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٣ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

مصر هدف آخر للتدخل التركي

بعد يومين من صدور بيان مجلس الجامعة العربية الذي رفض التدخلات العسكرية الخارجية في ليبيا، نظرا إلى ما تشكله مثل هذه التدخلات من تهديد للأمن القومي العربي بشكل عام والأمن القومي لدول الجوار الليبي بشكل خاص، ناهيك عن تسبب مثل هذه التدخلات في تعقيد الأزمة الليبية وعرقلة الجهود الدولية والعربية الساعية إلى إيجاد حل سلمي لهذه الأزمة، وافق البرلمان التركي يوم الخميس الماضي بأغلبية 325 صوتا فيما رفض 184 المذكرة المقدمة من الحكومة التركية بشأن إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا لدعم حكومة فايز السراج التي وقَّعت أواخر نوفمبر 2019 على مذكرة تعاون عسكري مع تركيا وهي المذكرة التي يتخذ منها الرئيس التركي رجب طيب أردوجان ذريعة لإرسال هذه القوات لدعم حكومة السراج في صراعها مع خصومها السياسيين.

موقف الجامعة العربية من التدخل التركي المحتمل في ليبيا، لن يثني أنقرة عن الإقدام على هذه الخطوة التي تنسجم تماما مع التوجهات التركية الجديدة التي تستند إلى إرث تاريخي من جهة، ومن جهة أخرى فإن تركيا في خضم الأوضاع التي تمر بها المنطقة، وخاصة بعد ما يسمى بموجات «الربيع العربي»، فإنها سوف تسعى بكل الوسائل، بما في ذلك التدخل العسكري لتثبيت أقدامها في أي جزء من الدول العربية التي كان لتركيا أوراق سياسية فيها تمثلت في قوى الإسلام السياسي، وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة بعد خسارة ورقتها الأهم، أي الورقة المصرية.

سبق لجامعة الدول العربية أن نددت بالغزو العسكري التركي لشمال شرق سوريا، وتحدثت عن إمكانية اتخاذ إجراءات عملية ما لم تسحب تركيا قواتها من الأراضي السورية، لكن تركيا بدلا من ذلك عززت هذه القوات وأحكمت سيطرتها على مناطق شاسعة من الأراضي السورية، بل ذهبت أبعد من ذلك حين شرعت في تنفيذ سياسة التغيير الديمغرافي للمناطق التي تحتلها شمال شرق سوريا، وهي السياسة التي ليس من المستبعد أن تلجأ إليها تركيا أيضا وخاصة أن هناك أعدادا كبيرة من الليبيين ينحدرون من أصول تركية إبان سيطرة الإمبراطورية العثمانية. 

أنقرة لم تكترث بموقف جامعة الدول العربية وقراراتها فيما يتعلق بالشأن الليبي لأنها متأكدة أن هذه القرارات مصيرها الأرشيف فقط، فجامعة الدول العربية لا تملك القدرة والإرادة على اتخاذ إجراء عملي يجبر تركيا، أو غيرها على مراجعة حساباتها ومواقفها من القضايا ذات الخصوصية العربية، كما هو حال الوضع في سوريا وفي ليبيا أيضا، فالعلاقات العربية مع تركيا على أحسن ما يرام، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، فرغم السياسة التركية المهددة للمصالح القومية العربية في أكثر من موضع، فإن الدول العربية لم تلجأ إلى استخدام علاقاتها مع تركيا من أجل الدفاع عن هذه المصالح.

فمواقف الجامعة العربية وخطواتها لا ترقى إلى مستوى الأخطار المحدقة بالأمن القومي العربي، إضافة إلى أن الجامعة العربية تتحمل جزءا من الأسباب التي أدت إلى الأوضاع التي تعيشها بعض الدول العربية، بعد أن شجعت وأيدت بعض المواقف الخاطئة من الأحداث في سوريا مثلا ودعمها للتدخل العسكري الأجنبي في ليبيا للإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، فالجامعة من جهة مطالبة بتصحيح مواقفها ومن جهة أخرى تغليب المصلحة القومية بعيدة المدى على المصالح الضيقة لبعض أعضائها، والتي تسببت في أضرار جسيمة لحقت بدول مثل سوريا وليبيا.

موقف الجامعة العربية الأخير من التدخل العسكري التركي في الأزمة الليبية ومن قبله الموقف من الغزو التركي لشمال شرق سوريا، هو الموقف الصائب الذي يجب أن تتخذه الجامعة من مجمل التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية، لكن مثل هذه المواقف غير المدعومة بخطوات عملية، مثل مراجعة العلاقات مع الدول المعنية، لن يغير من الأمر شيئا ولن يمنع تلك الدول من مواصلة تدخلاتها، وهذا ما يؤكده السلوك التركي الذي تجاهل كليَّا موقف الجامعة من غزو سوريا وكرر ذلك الموقف مع الأزمة الليبية.

خطورة التدخل التركي العسكري في ليبيا لا تقتصر فقط على ما سوف يسببه من تفاقم للصراع الداخلي الليبي وفتح المجال أمام تدفق المرتزقة إلى ليبيا، خاصة بعد ما تناقلته وكالات الأنباء عن قيام تركيا بنقل أعداد كبيرة من المقاتلين الموالين لها من سوريا إلى ليبيا لدعم حكومة السراج في طرابلس، نقول إن هذا الخطر لا ينحصر تأثيره على الشأن الليبي فقط، وهو بشكل غير مباشر يستهدف مصر ويحمل في طياته تهديدا خطيرا للأمن القومي المصري بالدرجة الأولى، خاصة وأن أنقرة لها حساباتها الخاصة مع مصر بعد أن أطاحت القاهرة بحكم جماعة الإخوان المسلمين التي كانت أنقرة تعول عليها كجسر آيديولوجي للعبور إلى باقي الدول العربية، تركيا بهذا السلوك تنتقل إلى خانة الدول التي تتربص بالسوء للأمن القومي العربي.

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news