العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

ماذا جرى للبشرية؟!

قبل خمسة وعشرين عاما بدأت كتابة رسالة أعياد الميلاد، ومنذ ذلك الوقت أكتبها بانتظام وتنشرها «أخبار الخليج». في كل مرة أكتب فيها عبر هذه السنوات الطويلة كنت أتمنى أن يكون العام الجديد عاما أفضل للبشرية كلها.

 الأمر المحزن أنه عبر هذه الأعوام الخمسة والعشرين حتى يومنا هذا لم نشهد أي تحسن أو نرى بارقة أمل في أن يكون العالم أفضل. على العكس من هذا، لا نشهد إلا مأساة وراء مأساة، وفوضى ودمارا وراء فوضى ودمار في العالم كله.

 اليوم، حين نتأمل الأوضاع في العالم، نجد أنه حتى الدول المتقدمة مثل أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا، ليست أفضل حالا، وليست أوضاعها جيدة. هذا على الرغم من كل ما تتمتع به من حياة سياسية المفروض أنها مستقرة.

 إذا كان هذا هو حال الدول المتقدمة فما بالك بحال دول مثل سوريا، والعراق، وإيران، ولبنان، واليمن، وليبيا، وبورما، وغيرها؟ هذا من دون أن نتحدث بالطبع عن المأساة التاريخية، مأساة فلسطين وشعبها.

 من المهم جدا ألا يغيب عن بالنا أن كل ما تعانيه هذه الدول من مآسٍ وأوضاع بائسة ليس بسبب كوارث طبيعية خارجة عن إرادة وسيطرة الإنسان، بل هي من صنع الإنسان نفسه. هي في الأغلب الأعم من صنع الممسكين بزمام السلطة والحكم.

 السؤال الكبير هو: لماذا يتسبب الإنسان في كل هذه المعاناة والمرارة والألم لأخيه الإنسان؟.. هل السبب هو الطمع والجشع؟ هل هي الرغبة؟ هل هي السلطة والقوة؟ أم هل هو الضعف؟

 الأمر المأساوي هنا أن هؤلاء البشر، رجالا أو نساء، الذين يتسببون في هذه المآسي والمعاناة والألم لا ينقصهم التعليم الجيد، ولا المعرفة، ولا حتى الخبرات والتجارب. ومع هذا، هم يسمحون لأنفسهم بأن ينحرفوا عن الطريق القويم ويرتكبون هذه الأفعال وكأنهم مخمورون أسكرتهم أوهام السلطة والاعتقاد بالقدرة على فعل أي شيء. إنهم يصرون على الإمساك بزمام الحكم والسلطة من دون أن يفكروا في التاريخ وكيف سيحكم عليهم.

 الأمر المؤكد أن هؤلاء حين كانوا صغارا فإن آباءهم وأمهاتهم قد علموهم المبادئ والقيم والتعاليم والأوامر التي أرشدنا الله إليها في الكتب السماوية. والأمر المؤكد أيضا أنهم وهم صغار قد تلقوا دروسا في الأخلاقيات القويمة والقيم الإنسانية النبيلة في التعامل مع كل البشر. ومع هذا، فقد اختاروا أن يمضوا في الاتجاه المعاكس تماما لكل ما تعلموه وتربوا عليه.

 وغير هذا.. منذ أن اخترع جوتنبرج آلة الطباعة في القرن الخامس عشر، خرجت إلى النور ملايين الكتب بكل اللغات. هذه الكتب من المفروض أن تجعلنا أكثر إنسانية وتحضرا، وأن تجعلنا نتفانى في خدمة البشرية والارتقاء بأحوال البشر، ولا تدفعنا إلى إلحاق الأذى والمرارة والألم بالناس.

 لكن الحادث للأسف أن الكثير من البشر يفكرون ويتصرفون بغرائز حيوانية.

 إذن، ما الذي جرى للبشرية؟ لماذا يفعل البشر هذا، وينحدرون إلى هذا المستوى؟ هل لم يعد الناس يخافون الله؟ بعبارة أوضح وأدق، هل لم يعد الناس يؤمنون بالله أصلا؟! لكن الحادث مع هذا أن الناس يولدون ويدفنون بحسب تعاليم وطقوس أديانهم، الأمر الذي يعني بشكل أو بآخر أنهم يؤمنون بالله.

 كيف يمكن أن نحل هذه الألغاز النفسية أو بالأحرى المعضلات الإنسانية؟ هل نحن بحاجة إلى مدرسة جديدة تماما في التفكير؟ هل نحن بحاجة إلى طرق جديدة لتعليم قدسية الأديان وتكريس مبادئها وتعاليمها الإنسانية لدى الأجيال الجديدة بالأخص في عالم التكنولوجيا الحديثة المتقدمة وما يسمى «المجتمعات الذكية»؟

 نقول هذا لأن من الحقائق الثابتة أن العلم لا يمكن أن يطهر الروح ولا اأن يرتقي ويسمو بها. المجتمع الذي يبنى على العلم ومنطقه فقط لا يمكن أن يضمن لنا أرواحا نقية صافية، ولا قيما إنسانية نبيلة بالضرورة. نحن بحاجة إلى أمر آخر أكبر من هذا بكثير. نحن حالنا حال المرضى بحاجة إلى ترياق روحي يداوينا ويزرع فينا الإنسانية، وقيم النبل والتسامح، وقبول الآخر بغض النظر عن دينه أو عقيدته أو لونه أو أفكاره وانتماءاته. الله سبحانه وتعالى خلقنا جميعا بشرا وأمما وشعوبا متساوين، لا فرق بيننا أيا كانت ألواننا أو أعراقنا. العار علينا جميعا إن لم ندرك ذلك وإن لم نفكر ونتصرف على أساسه.

الله سبحانه وتعالى أرسل إلينا العديد من الأنبياء والرسل في مراحل مختلفة من تاريخ البشرية. هؤلاء الأنبياء والرسل لهم حتى يومنا هذا أعداد لا تحصى من البشر من مريديهم وأتباعهم ومن المؤمنين بالأديان التي بشروا بها. ومع ذلك، فإن الساسة لديهم أجنداتهم الآيديولوجية الخاصة، التي تتناقض في حقيقة الأمر مع جوهر الحكمة الإلهية من وجود الإنسان.

 نحن جميع أبناء الأديان السماوية قرأنا العهد القديم، والعهد الجديد، والقرآن الكريم. المفروض أن يقربنا هذا من الله سبحانه تعالى، ويحملنا مسؤولية كبرى في أن نصبح قدوة في السلام والحقيقة والحق في عالمنا، ويصح هذا على الأخص بالنسبة إلى الأجيال الجديدة.

 لا يمكن أن نكون هكذا فعلا إلا إذا كنا عادلين منصفين بلا انحياز وبلا تعصب، وتحلينا بالقيم والمبادئ الإنسانية النبيلة.

وفي هذه المناسبة، أتمنى لأخواتي وإخوتي المسيحيين عيد ميلاد سعيدا، وأتمنى للبشرية كلها عاما جديدا سعيدا وأفضل من الأعوام السابقة.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

aak_news